بينما كانت الماسونية ترسم الخطط العالمية، وجدت أنه من الضروري أن يتزامن القضاء على روسيا القيصرية مع القضاء على الخلافة الإسلامية ممثلة في الدولة العثمانية. ولكن لم تكن الطريق ممهدة لذلك فقد كان على رأس الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت آخر الخلفاء الأقوياء وهو السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، الذي تولى الخلافة في ظروف حرجة بعد مقتل عمه السلطان عبد العزيز ثم جنون أخيه مراد.
لهذا عملت الماسونية على الضغط عليه بوسائل شتى. فكان رئيس وزرائه مدحت باشا هو الأب الروحي للماسونية العثمانية، وضغط عليه لكي يدخل في حرب مع روسيا القيصرية في وقت لم يكن فيه الجيش مستعدا لذلك. وبعد الهزيمة الكبيرة أمام الروس تنبه السلطان لخطط مدحت باشا وأمر باعتقاله في عام 1878 وحكم عليه بالإعدام مع آخرين ولكن الحكم لم ينفذ لتدخل السفير البريطاني، واكتفي بنفيه إلى الطائف حيث توفي هناك فيما بعد.
بالإضافة إلى ذلك ظهرت شخصيات ماسونية كثيرة حرضت الشعوب العثمانية ضد الخليفة مثل نامق كمال بك الذي كان شاعرا شهيرا، ومثل جمال الدين الأفغاني، الذي أظهره التاريخ كمصلح مجدد بينما كان مؤسسا ورئيسا لمحفل ماسوني عامل بنظام ممفيس إبان وجوده بالقاهرة، وهو المحفل الذي ضم 300 عضو كانوا هم القائمين بما عرف بالحركة الوطنية وتحرير المرأة من أمثال سعد زغلول، قاسم أمين، محمود سامي البارودي، إبراهيم اليازجي، أديب إسحاق، والشيخ محمد عبده. وهذا الأخير كان من أقرب طلابه اثنان هما رشيد رضا صاحب جريدة المنار، والشيخ عبدالرحمن البنا والد حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين.
فضلا عن ذلك تم تحريض الأقليات مثل الأرمن ضد العثمانيين فقاموا بمذابح بشعة ضد المسلمين وقطعوا أجسامهم وحرقوا المساجد، فاضطر السلطان للتدخل بحزم، وأنشأ فرق من الخيالة الأكراد لحماية المسلمين. وفي ظل هذه الظروف قام الأرمن بأعمال شغب في استانبول في 1892 و1896 واشتركوا في مؤامرة لاغتيال السلطان في عام 1905 عن طريق تفجير عربته، لكنه نجا منها، وثبت تورط الماسونية في تدبير تلك المؤامرة كما بينت التحقيقات.
ولما لم يظهر أمل للماسونية في القضاء على السلطان، أقاموا ما عرف بلجنة الترقي والاتحاد التي تغير اسمها فيما بعد إلى لجنة الاتحاد والترقي أو الأتراك الشباب. بدأت هذه الجمعية السرية في عام 1890، واكتشف أمرها في عام 1897 فنفي أعضاؤها. ثم أقاموا مؤتمرا لهم بباريس في عام 1902 عرف بمؤتمر الأحرار العثمانية، وخلص المؤتمر إلى تأسيس الإدارات المحلية للدولة على أساس القومية (مثلما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي).، وكذلك طلب المساعدة في إزاحة السلطان من الدول الأوروبية (وكأن التاريخ يعيد نفسه مع الفارق بين الشخصين).
وأنشأ الاتحاديون خلايا صغيرة كثيرة بحيث لا يعرف القيادة غير واحد من كل خلية. والتحق الكثير من الضباط بالاتحاديين حتى انضم إليهم كافة ضباط الجيش العثماني الثالث في البلقان. وتغاضى الاتحاديون عن قتل المسلمين في البلقان على يد البلغار واليونانيين حتى يضعفوا نظام السلطان عبد الحميد. واغتالوا الموظفين العثمانيين الذين لم يتعاونوا معهم. وأدت هذه الحوادث إلى انفصال بلغاريا وكريت والبوسنة والهرسك (كانت تعرف في تلك الفترة بالبغدان والأفلاق).
وبدأت أحداث الانقلاب العثماني في 31 مارس 1909 حينما حدثت اضطرابات باستانبول قتل فيها جنود من الاتحاد والترقي، فجاءت قواتهم من البلقان بدعوى الدفاع عن السلطان، ومنع السلطان الجيش الأول من الاشتباك معها. وأعلنت تلك القوات الأحكام العرفية واتهمت السلطان بأنه وراء أحداث 31 مارس، واستصدرت فتوى من أحد الشيوخ واسمه موسى كاظم أفندي بخلع السلطان. وقد أعلن المحفل الأعظم التركي مؤخرا على الصفحة الرئيسية لموقعه على الإنترنت أن السلطان مراد الخامس وشيوخ الإسلام موسى كاظم أفندي ومحمود أسعد أفندي وعدد ممن تولوا الصدارة العظمى مثل: فؤاد باشا ومدحت باشا وخير الدين باشا التونسي وأحمد وفيق باشا وإبراهيم حقي باشا والكاتب نامق كمال كانوا جميعا من أعضاء محفل برودوس في استانبول. وأبلغت السلطان بالقرار لجنة من الاتحاديين مؤلفة من يهودي ماسوني (إيمانويل قره صو) وأرمني وألباني وكرجي. وتم نفي السلطان إلى سالونيك المدينة العثمانية باليونان والتي كانت معقل اليهود والماسونية العثمانية. وتوفي بها في عام 1918.
ويكفي أن نعلم أن السلطان عبدالحميد منع الماسونية في عهده، ولم تتمكن المحافل التركية من العمل مرة أخرى إلا بعد إزاحة السلطان عبدالحميد فبدأت العمل في عام 1909 وحتى الآن.
وقد تولى الاتحاديون الحكم بواسطة مجموعة من قادتهم هم إسماعيل أنور باشا، ومحمد طلعت باشا الذي كان أول أستاذ أعظم للماسونية العثمانية بعد إعادة افتتاحها، وأحمد جمال باشا (الشهير بالسفاح). فتنازلوا عن ليبيا للإيطاليين، وتوالت هزائمهم بالبلقان وتوجت بالهزيمة في الحرب العالمية الأولى وفقد فلسطين وسوريا لبريطانيا وفرنسا. واحتلت استانبول من قبل الحلفاء وفرضت معاهدات مهينة على الدولة العثمانية. واغتيل قادة الاتحاديين في المنفى، حيث اغتيل محمد طلعت في برلين، واغتيل أحمد جمال في تبليسي بجورجيا، وقتل أنور باشا وهو يحارب الجيش السوفيتي الأحمر في تركستان (طاجيكستان الحالية).
وكان الهدف من المعاهدات المذلة هو التمهيد لتولي مصطفى كمال الذي عرف فيما بعد بأتاتورك (أبو الأتراك). وهو أحد الماسونيين العثمانيين، الذي كان مجهول النسب وتبناه زوج أمه على رضا. وأطلق عليه أستاذه للرياضيات اسم كمال لتفوقه. والتحق بعد تخرجه من الكلية الحربية بحركة سرية للضباط اسمها فادان. ثم انضم للاتحاديين في عام 1907. وفي عام 1915 انسحب الحلفاء أمامه في معركة جاليبولي لكي يظهروه كبطل حرب. وحارب بعد ذلك في القوقاز ضد الروس، وفي الحجاز ضد حركة الشريف حسين عميل بريطانيا واليهود. ثم تولي قيادة الدفاع عن فلسطين الذي انتهى بتسليمها لبريطانيا. وكان نجاحه في طرد اليونانيين من تركيا عاملا حاسما لتوليه قيادة الدولة. ثم أعلن إلغاء الخلافة. ومنع ارتداء العمامة واستبدلها بالقبعة الأوروبية. كما حل المدارس الدينية، ومنع ارتداء الحجاب. واضطهد المسلمين وعلى رأسهم العلامة بديع الزمان سعيد النورسي الذي قاد حركة لمقاومة أتاتورك فسجن هو ومن ساعدوه.وإضافة لكون أتاتورك عضو بعدة محافل ماسونية فقد كان عدد كبير من وزرائه ومساعديه وجنرالات جيشه وشرطته ماسونا. فضلا عن 60 عضوا من أعضاء البرلمان وكذلك طبيبه الخاص الذي كان نائبا للأستاذ الأعظم للماسونية التركية حينها. وقد خطب اتاتورك في البرلمان التركي يوم إلغاء الخلافة في عام 1924 خطبة كان مما جاء فيها: "نحن الآن في القرن العشرين ، لا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث عن التين والزيتون ".
استغل اليهود عطف الدولة العثمانية عليهم فانتهزوا الأوضاع التي كانت تمر بها الدولة العثمانية للضغط على السلطان عبد الحميد لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، حيث كانت ديون الدولة حوالي 252 مليون قطعة ذهبية، وهو مبلغ كبير بمقياس ذلك العصر، وبرغم ذلك كان السلطان حريصًا طوال عهده على عدم الاستدانة من الخارج إلا في أضيق الحدود. وقف السلطان عبد الحميد الثاني ضد هذه الهجرات اليهودية بالمرصاد، وحاول منعها بكل ما أوتي من قوة، وكان قرارًا جريئًا منه في فترة كانت الدولة العثمانية يطلق عليها رجل أوروبا المريض، ورغم ذلك رفض كل الضغوط الدولية، والإغراءات اليهودية للسماح لهم بالهجرة إلى فلسطين.
قام اليهود ببعض الهجرات إلى أرض فلسطين في عام 1881 و1882م - 1896م، واستطاعوا تنظيم بعض المستعمرات. حينئذ شعر السلطان عبد الحميد الثاني بهذا الخطر؛ فأبلغ المبعوث اليهودي أوليفانت أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين. وأرسل السلطان مذكرة إلى متصرف القدس رءوف باشا يطلب منه أن يمنع اليهود الذين يحملون الجنسيات الروسية والرومانية والبلغارية من الدخول إلى القدس، كما أبلغ قناصل الدول الأوروبية في استانبول بقرار الحكومة العثمانية بمنع اليهود الروس خاصةً من استيطان فلسطين .
هرتزل والوطن القومي لليهود : أرسل تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية رسالة إلى السلطان عبد الحميد الثاني يعرض عليه قرضًا من اليهود يبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني، في مقابل تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومَنْح اليهود قطعة أرض يقيمون عليها حكمًا ذاتيًّا.
وقد رفض السلطان عبد الحميد الثاني هذا العرض رغم احتياج الدولة العثمانية إلى الأموال، وردَّ على هرتزل قائلاً: "انصحوا الدكتور هرتزل بألاّ يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع؛ إني لا أستطيع أن أتخلَّى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست مِلْك يميني، بل مِلْك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها، وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملاينيهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حيٌّ فإنّ عمل المِبْضَع في بدني لأهون علىّ من أن أرى فلسطين قد بُتِرت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون؛ إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق