مخطط الترانسفير
شكلت اتفاقيات أوسلو محطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي-الصهيوني، حاول الكيان الصهيوني استثمارها إلى أقصى الحدود، لأجل بناء "إسرائيل العظمى"، الصيغة المعدلة لمشروع "إسرائيل الكبرى" حيث يتوسل فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على الوطن العربي من خلال مشروع "الشرق الأوسط الجديد" واستكمال تنفيذ برنامج مؤتمر بلتيمور الصهيوني المقرر عام 1942 والذي ينص على:
1- إنشاء دولة يهودية ذات سيادة تضم فلسطين وربما شرق الأردن أيضًا.
2- احتمال نقل السكان العرب من فلسطين إلى العراق.
3- قيادة يهودية للشرق الأوسط كله في مجال التطور الاقتصادي.
ارتسمت محاولات العدو الصهيوني في استثمار اتفاقيات أوسلو في منحيين:
الأول: فرض توطين اللاجئين الفلسطينيين في بلدان الشتات إن أمكن، وإلا نقلهم إلى العراق، عبر استثمار ما آلت إليه أحواله في أعقاب حرب الخليج الثانية. وقد سجلت محاولات حثيثة في هذا المجال، وبالتحديد لجهة توطينهم في العراق. يروي المناضل الأردني ليث شبيلات، في هذا الصدد أنه في لقاء استمر لمدة ساعتين، كان مغلقًا وسريًا أن الرئيس صدام حسين، كشف له عن سر جديد، وهو أن "قيادات عربية وسياسيين عربًا، طلبوا منه تحسين العلاقات مع "إسرائيل" على اعتبار أن ذلك هو الحل الوحيد، لإنهاء مشكلة العراق، وعلى اعتبار أن "إسرائيل" هي التي يمكن أن تقود عملية رفع الحصار عنه الشعب العراقي"،
ويقول شبيلات: "أخبرني صدام حسين، أنه رفض كل هذه العروض، بل إنه حذر بعض من فاتحه فيها، بأن هذه هي المرة الأخيرة التي سيسمح لهم بمفاتحته بهذا الموضوع". الخبيرة الأميركية د. لارا دريك الاختصاصية في السياسة الإستراتيجية، وعضو اللجنة التنفيذية لمؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان، تكفلت بتوضيح المطلوب من العراق، صهيونيًا، عبر تحذيرها من مشروعات لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، وخاصة في العراق. وقالت خلال لقاء نظمته وزارة الإعلام في السلطة الفلسطينية: "إن دولاً عظمى عدة جددت عرضها على الحكومة العراقية، مقابل رفع العقوبات والحصار عنها".
وأضافت موضحة "أن الإدارة ا لأميركية، اقترحت مشروعًا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين عام 1993، في غرب العراق في المنطقة الصحراوية. وحاليًا وقبل أشهر أعيد طرح هذا الموضوع بعد أزمة المفتشين الدوليين بين الأمم المتحدة والعراق"، وتابعت "إن خطة أخرى منحت خلال العامين الماضيين تسعى لتوطين اللاجئين الفلسطينيين الموجودين بلبنان في منطقة الخليج العربي"، مشيرة إلى أن الخطة هي بلجيكية الأصل قام بها أحد المؤيدين للوبي الصهيوني، وطرحها وفد للكونغرس الأميركي زار منطقة الخليج.
وأشارت الخبيرة الأميركية، أن النائب الجمهوري عن نيويورك، ورئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب، غيلمان، قد شكل ووفدًا زار دول قطر والسعودية والإمارات أواخر آذار ومطلع نيسان عام 1997 وتركزت محادثاته حول التسوية السياسية في المرحلة النهائية. ومن جملة ما بحث مع المسئولين الخليجيين موضوع اللاجئين واحتمال استيعاب وتوطين ما بين (30-40) ألف فلسطيني في كل دولة خليجية على حدة، بالإضافة إلى توطين الفلسطينيين العاملين حاليًا في دول الخليج العربي. ورأت أن رفض دول الخليج للخطة التي عرضها غيلمان، أحيا خطة توطين اللاجئين في العراق.
أما المنحنى الثاني فقام على تركيز الجهد على مواجهة ما يسميه الخطاب الصهيوني "القنبلة الديموغرافية" الفلسطينية، وبالتحديد تجاه فلسطين عام 1948، عبر القيام بعملية "ترانسفير" شاملة ضدهم، لكن من غير أن تعلن ذلك مباشرة. وتجدر الإشارة إلى أن تعبير "القنبلة الديموغرافية" تعبير عنصري محض، يعبر عن عنصرية الصهيونية التي تسعى إلى بناء "إسرائيل" نقية من العرب. وقد تبلور هذا القصور في دراسة شاملة موسعة لعدد كبير من الخبراء الصهاينة، بدأت عام 1944، وانتهت عام 1997، لتستشرف صورة الكيان الصهيوني خلال ربع القرن أي حتى عام 2020م.
شارك في إعداد هذه الدراسة (250) خبيرًا فنيًا من كبار المهنيين من المكاتب والشركات الهندسية المتخصصة والأكاديميين من كل الجامعات ا لصهيونية، وممثلين عن الوزارات والوكالة اليهودية.. الخ. كما اشترك في إعدادها خبراء أجانب. تمت الدراسة تحت إشراف البروفيسور آدم مازور، وصدر العمل كاملاً (18) مجلدًا، تحت عنوان "تصورات حول مستقبل "إسرائيل" حتى عام 2020م". تطرق المشروع لضائقة ومحدودية الأرض التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني، ولا تكفيه للتوسع. ويلاحظ أن القاعدة التي انطلق منها المشروع في حساباته، هي الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، والجولان السورية المحتلة.
أما الضفة الغربية وقطاع غزة فهما خارج حساباته، ويناقش المخطط عدد السكان بكثير من الحذر لأنه يتعلق جذريًا بقدرة الكيان الصهيوني على جذب اليهود في العالم للهجرة إليه. لذلك فإن تقديرات عدد السكان للعام 2020، المذكور في المخطط لا تشمل الهجرة اليهودية إلا في أضيق نطاق. يقدر المخطط عدد السكان في الكيان الصهيوني عام 2020. حوالي (8) ملايين و(100) ألف نسمة، منهم (5) ملايين و(832) ألف يهودي، بزيادة سنوية (1%) فقط ومليونين و (268) ألف فلسطيني، بزيادة سنوية (3%). وهذا يعني أن نسبة الفلسطينيين (بمن فيهم سكان القدس) إلى القدس ستزيد من (23%) عام 1994 إلى حوالي (40%) عام 2020م. لكن الكيان العنصري لا يقبل هذا الواقع. لذا يحاول إيجاد وسائل أخرى لمطاردة وهم دوام الأكثرية اليهودية، ويعلق الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة على ذلك بقوله: "بدراسة متأنية لتوزيع الفلسطينيين، واليهود في "إسرائيل"، بين عامي 1994 و 2020، حسب المخطط "الإسرائيلي"، نجد أن "إسرائيل" تنوي القيام بعملية تنظيف عرقي جديد لتحقيقها ذلك، ودون أن يذكر هذا المخطط صراحة".
ويتابع أبو ستة: "إن مقارنة الأرقام وتوزيع السكان بين 1994 و 2020 يؤدي إلى استنتاج أن المخطط يهدف إلى الآتي:
نقل الفلسطينيين من مراكز تجمعهم الحالية في الجليل والمثلث إلى وسط البلاد، حيث الكثافة اليهودية، بحيث يفقدون قاعدتهم الزراعية والاقتصادية ويصبحون أجزاء لدى اليهود. بالمقابل يشجع المخطط اليهود على الانتقال من الوسط إلى الجليل والمثلث والنقب، باغراءات الإعفاءات من الضرائب، والدعم الاقتصادي لكي يقطعوا أوصال التواصل العربي السكاني الممتد من الشمال إلى الجنوب محاذيًا لخط الهدنة. ويلاحظ أيضًا أن إعادة التوزيع هذه تمنع الفلسطينيين من تكوين غالبية سكانية، في أي مما يسمى (بالمناطق الطبيعية) وهي أصغر تقسيم إداري للبلاد".
ويتابع أبو ستة موضحًا استنتاجاته: "والسبب نفسه، وقبل إصدار المخطط قامت "إسرائيل" بإنشاء طريق سريع واسع (رقم 6) من الشمال إلى الجنوب، يخترق المناطق الفلسطينية في "إسرائيل"، ويستولي على بعضها، ويقسمها إلى مناطق منعزلة، دون أن يفيدها اقتصاديًا أو يصلها بهذا الطريق".
*وثيقة هرتسليا:
ما بدا من أحاديث أو مخططات صهيونية، مستترة عن "الترانسفير" في مرحلة أوسلو، بحيث تحتاج إلى استنتاج وحصانة لاكتشافها، صارت مع اندلاع انتفاضة الأقصى علنية، وموضوعًا للتداول والنقاش، وعنوانًا لمؤتمرات ووثائق، ودعوات لمؤسسات وأفراد صهاينة من مختلف الأطياف والتيارات السياسية والأيديولوجية الصهيونية، حتى يمكن القول أنها باتت تشكل أحد أبرز التجليات الحديثة لفكرة "الترانسفير".
وكان الأبرز في هذا السياق، مؤتمر هرتسليا، والوثيقة الصادرة عنه "وثيقة هرتسليا"، الذي عقد خلال الفترة ما بين 19-21 كانون الأول عام 2000، أي بعد مرور ثلاثة أشهر على اندلاع الانتفاضة، وجرت أعماله في فندق دان أكاديا في مدينة هرتسليا تحت عنوان "ميزان المناعة والأمن القومي - اتجاهات لسياسة عامة".
شارك في أعماله أكثر من (300) شخصية يمثلون النخب الصهيونية في مختلف المجالات، من أبرز الحضور الرئيس الصهيوني موشي كتساف، ايهود باراك، وكان رئيس الوزراء آنذاك، وسلفه بنيامين نتنياهو، وخلفه آرييل شارون، وشائول موفاز رئيس الأركان عندئذ. رئس المؤتمر عوزي أراد المستشار السياسي لرئيس الحكومة الأسبق نتنياهو، الذي قال في وصفه: "إن الذي لم يوجد هناك في المؤتمر كأنه غير محسوب في عداد القيادة "الإسرائيلية" العليا".
أما الصحافة الصهيونية فقد وضعته في مصاف المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد سنويًا في دافوس السويسرية، كذلك شبهته بمؤتمر "غابة بلادبرغ" في هولندا، الذي ولد عام 1956، كمنتدى سري، ومغلق لدرس مشاكل العالم وتنسيق السيطرة عليه.
كان سبق انعقاد مؤتمر هرتسليا، تشكيل لجان تحضيرية درست مواضيع عدة، ناقشها المؤتمرون، منها:
- ميزان الدفاع والردع لدولة "إسرائيل".
- الحرب ضد الانتفاضة.
- الحرب مع الدول المجاورة.
- الحرب مع الدائرة الأبعد.
- التهديد الديموغرافي الفلسطيني.
- التفوق "الإسرائيلي" التكنولوجي.
بلور المؤتمر حصيلة مناقشاته في وثيقة مفصلة تضمنت النتائج والتوصيات التي ستوضع أمام أصحاب القرار. نشرت الوثيقة في كراس خاص أواسط آذار 2001، جاء في مقدمة تلك الوثيقة، التلخيص: أن أبحاث المؤتمر "جسدت بالملموس الشعور بأن "إسرائيل" تقف أمام مفترقات مصيرية، ستحسم فيها، إذا كانت على فترة ازدهار أو فترة غروب. وأن سوف يكون هو رهن إرادتها".
ولعل أكثر الموضوعات الواردة في الوثيقة، على صلة مباشرة، بالموضوع المطروق "الترانسفير" لأنه أساسه هو "الخطر الديموغافي" الذي يواجهه الكيان الصهيوني من جانب السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن جانب فلسطيني 1948، على حد سواء. لذا فقد أولته الوثيقة، اهتمامًا كبيرًا. وفي مجال البحث، لمواجهة هذا "الخطر" جرى طرح أفكار ومشاريع حلول إجرامية وخطيرة تتراوح بين تحديد النسل القسري للفلسطينيين، وبين "الترانسفير" الذي يشمل سكان الضفة والقطاع، وكذلك فلسطيني 1948. وباعتراف الصحافي الصهيوني (مئير شيلغ) في صحيفة هآرتس (23-3-2001)، فإنها "وثيقة مذهلة في توصياتها، مذهلة في روحها العامة، وهي تتلاءم مع توجيه اليمين المتطرف ورؤيته، لا بل أن اليمين الصهيوني المتطرف، حسب قوله "ما كان بمقدوره أن يصوغ توصيات تعكس فكرة البوهيمي الجامح على نحو أفضل مما صاغتها هذه الكراسة".
جاء في توصيف الوثيقة لـ "التهديد الديموغرافي" ما يلي:
"إن الشعب الفلسطيني يضاعف نفسه مرة كل عشرين سنة، حيث تبلغ نسبة زيادته السنوية (4.2%) وهي من أعلى الزيادات في العالم. وأن "نسبة الولادة في أوساط المسلمين (والفلسطينيين المسيحيين) في "إسرائيل" (4.6) مولود للمرأة. وهذا يكاد يكون ضعف نسبة الولادة عند اليهود في "إسرائيل" (2.6) مولود للمرأة. وحاليًا فإن واحدًا من كل خمسة مواطنين "إسرائيليين" بالتقريب هو عربي مسلم. وخلال السنوات العشرين تصبح النسبة واحدًا من كل ثلاثة". ينطوي هذا الوضع، حسب توصيف الوثيقة، على مغزى أمني خطير يتعلق بحيوية "إسرائيل" كدولة يهودية، كما ينطوي على مغزى اقتصادي، فللوسط العربي المتكاثر في "إسرائيل" مميزات وخصائص اجتماعية واقتصادية تحوله إلى صخرة تثقل على تطور "إسرائيل" ورفاهيتها، وذلك لأن نسبة المشاركين في قوة العمل في أوساط فلسطين 1948 منخفضة (النساء والأطفال لا يعملون). وفي المقابل يستهلك السكان الفلسطينيون خدمات عامة (تربية، صحة، تأمينات) بدرجة تفوق بشكل ملموس نسبتهم من مجموع السكان.
في ضوء ذلك توصي الوثيقة، بإلغاء مخصصات التأمين للعائلات كثيرة الأولاد "الفلسطينية". كما توصي بتوطين سكان يهود في مناطق الكثافة الفلسطينية، وبخاصة في الجليل والنقب، لمنع نشوء تواصل جغرافي، لأغلبية عربية في هذه المناطق. هذا ولا شك يذكرنا بـ"وثيقة كينغ". فضلاً عن ذلك تدعو وثيقة هرتسليا إلى تبادل في التجمعات السكانية بين "إسرائيل" و الدولة الفلسطينية. وهذا يعني ترحيل فلسطينيي 1948 وفلسطينيي القدسِ.
كذلك تقترح الوثيقة، الترحيل "الترانسفير" حتى لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة لكن من دون ذكرها صراحة وإنما ربطها بظرف محدد، هو المقارنة. وفي هذا السياق جاء في الوثيقة "ستكون هناك حاجة لإيجاد مخرج في مكان غير إسرائيل" ربما في شرق الأردن، لتوطين السكان الفلسطينيين في الضفة إذا لم يكبحوا من وتيرة تكاثرهم". وطالما يخطط الفكر الصهيوني لتحشيد عشرة ملايين يهودي في فلسطين، وطالما مصادر المياه والأرض محدودة، فخيار "الترانسفير" قائم في جدول الأعمال الصهيوني.
ومع وصول آرييل شارون إلى سدة الحكومة، بات رموز الترانسفير، يجلسون على سدة القرار السياسي والأمني في الكيان الصهيوني، حيث شهد عهده خروج موضوع "الترانسفير" إلى السطح. وبات جزءًا من النقاشات الداخلية الدائرة بين الأحزاب الصهيونية. وحين طالب حزب العمل بتنحية رموز التطرف في التشكيل الوزاري، وفي المقدمة منهم رحبعام زئيفي، لأن حزبه يتبنى رسميًا خيار "الترانسفير" تصدى لهم زئيفي، موضحًا أن "الترانسفير" سياسة "إسرائيلية" ثابتة، وليست مواقف حزب أو حركة سياسية، مورست منذ إنشاء الكيان الصهيوني. وحتى الآن ما زالت مستمرة. وقد مارسها حزب العمل لسنوات طويلة. لذلك اعتبر زئيفي حزبه (حركة موليت) "استمرار التراث "الإسرائيلي" وليس طارئًا عليه". ويقول زئيفي في مقاله في صحيفة (معاريف 4-3-2001): "نحن نتبنى فكرة الترانسفير، وما الخطأ في ذلك؟ إن الترانسفير الذي نقترحه هو ترانسفير طوعي، أو بالاتفاق هو إنساني، بينما تبنى حزب ماباي الترانسفير بالإكراه". ويستعيد زئيفي عملية "الترانسفير" القسري ضد أهالي اللد والرملة خلال نكبة 1948، فيقول: "حين حررنا (!!) لم نعرف كيف نتصرف مع السكان المدنيين، وسألنا القيادة فأمر المقدم اسحق رابين أن نبعدهم. وقال هذا أمر صادر عن بن غوريون رئيس الحكومة ووزير الدفاع (آنذاك)، لقد فعلنا ما أمرنا به. هل يعرف حزب العمل ذلك؟" وينهي زئيفي مقاله متسائلاً ومتحديًا قيادات حزب العمل برد ما، إذا كانت لديهم فكرة حقيقية لحل الصراع العربي-الصهيوني، باستثناء فكرة الترانسفير. بالطبع لا يتفرد رحبعام زئيفي (الذي اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) بالدعوة العلنية إلى "الترانسفير"، بل يشاطره حتى أقطاب التيار الصهيوني، ومن يسمون "أنصار معسكر السلام "الإسرائيلي". من هؤلاء مثلاً، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، الجنرال المتقاعد شلومو غازيت، في مقال له في أعقاب مؤتمر هرتسليا (يديعوت أحرونوت 28-3-2001) يقول فيه: "اتضح لي من قراءة وسماع توقعات الديموغرافيين، أنه في السياق الحالي، وإذا لم تتخذ الخطوات المطلوبة والحيوية، ستكف "إسرائيل" عن البقاء كدولة يهودية بأغلبية يهودية واضحة، ومضمونة". ويضيف متسائلاً: "ما الذي يتوجب فعله؟" ويجيب على ذلك السؤال وفق الآتي: "أولاً الاعتراف بوجود الخطر والحاجة إلى سياسة طوارئ وطنية، ثانيًا، اتخاذ خطوات تمنع زيادة فلسطيني 1948 داخل الدولة (كيف؟؟). ثالثًا اتخاذ خطوات لزيادة السكان اليهود في الدولة من خلال الهجرة والتهويد الجماعي(؟) لكل من هو غير يهودي ويرغب في ذلك"، ويعتبر غازيت أن العيش في جو الطوارئ واتخاذ إجراءات الطوارئ، ضرورة حتى يقدر الكيان الصهيوني على الخلاص من عرب فلسطين.
إزاء ذلك، فإن السؤال المطروح هو: هل هذا النوع من التفكير اليوم مجرد ظاهرة سياسية، أم هو مناخ صهيوني سائد يتجه نحو التبلور داخل التجمع الاستيطاني الصهيوني كله؟.
الكاتب الصهيوني (مئير سيتغلتيس) يقول "يعمل الزمن لصالحهم، ليس بسرعة، ولكن بثبات ويدور الحديث عن القوى المؤيدة لخيار الترانسفير، كحل شامل للنزاع "الإسرائيلي"-الفلسطيني.
إن مؤيدي الترحيل يتعززون يومًا بعد يوم. ومنذ الآن فإن مسألة نقل السكان الفلسطينيين غدت جزءًا مشروعًا من الجدال العام، وستغدو في المرحلة الثانية موضوعًا مركزيًا، في الانتخابات، وإنها مسألة وقت غير بعيد حتى نحظى بمشاهدة اليافطات الكبرى بصيغة (الترحيل الآن) وتقديري أن الانفجار الترحيلي متوقع مع نهاية هذا العقد".
وثيقة حركة موليدت:
أصدرت "حركة أمناء أرض إسرائيل" التي أسسها رحبعام زئيفي، نهاية شهر آذار عام 2002م، وثيقة عن "الترانسفير"، الذي يتصدر برنامج موليدت منذ تأسيسها. تبدأ الوثيقة، بمقدمة توضح طبيعتها وأهدافها، كمجموعة من أبحاث واقتباسات هدفها إزالة الغموض والجهالة.
ورفع الخطر الذي يمنع إجراء نقاش جدي حول خطة "السلام" التي تطرحها موليدت، انطلاقًا من الشعار الذي طرحه زئيفي في انتخابات الكنيست الثاني عشر: "فقط الترانسفير هو الذي يقود إلى السلام". بعد ذلك تنتقل الوثيقة، للحديث عن أصناف "الترحيل الترانسفير" حسب أسلوب تحققه وهي ثلاث:
1- "الترانسفير" الطوعي: مع استمرار التمسك بأرض الوطن من خلال إقامة المستوطنات، واستيعاب المهاجرين الذين نفذوا "ترانسفيرًا" طوعيًا، ونزحوا من أنحاء العالم من أجل التجمع في أرض الميعاد يجب تشجيع هجرة عرب الضفة الغربية بمساعدات مالية وغيرها.
2- "الترانسفير" من خلال القتال: لقد أثارت حرب الاستقلال، تغييرات جغرافية وديموغرافية، حين قاد الزعماء العرب أبناء شعبهم إلى النكبة المؤلمة. على الزعماء العرب أن يعرفوا اليوم أنه لا توجد حرب نظيفة، وأن من يشن الحرب ضد "شعب إسرائيل" سيدفع مقابل ذلك نزوحه عن بيته ومكان سكنه. وإذا لم يكونوا قادرين على العيش هنا، معنا بـ "سلام" فإنهم لن يعيشوا أبدًا.
إن قوة الردع "الإسرائيلي" لن تعود إلا إذا كان واضحًا لجيراننا أن الإرهاب سيؤدي إلى خسارة أرضهم مثلما حدث عام 1948، عام "النكبة" لهم، والاستقلال لنا.
3- "الترانسفير" بالاتفاق: هذا "الترانسفير" يجري حين تتوصل دولتان فيما بينهما إلى اتفاق يقضي بنقل سكان مدنيين إلى مكان آخر من أجل "السلام". هكذا للأسف اقتلع اليهود من سيناء ورفح في إطار اتفاق السلام بين "إسرائيل" ومصر، وهكذا دول كثيرة في العالم. وإذا شئنا نستطيع أن نطيق هذا عندنا وإقامة -باتفاق دولي- دولتين لشعبين على ضفتي نهر الأردن.
بعد ذلك تتطرق الوثيقة إلى فكرة "الوطن البديل" وتسحب في الحديث عنه، انطلاقًا من مقولة "ضفتا الأردن هذه لنا وتلك لنا أيضًا". لكن وللأسف –حسب تعبير الوثيقة- لا تزال الشرقية دولة عربية فلسطينية. فضفتا الأردن كلاهما "أرض إسرائيل التاريخية"، وكلاهما فلسطين (أرض "إسرائيل" التي وردت في وعد بلفور). وتعيد الوثيقة ذلك إلى ما تسميه الخطأ التاريخي الذي أرتكبه تشرشل، حين توج العائلة الهاشمية على فلسطين الشرقية، وأنشأ دولة الأردن من لا شيء، الأمر الذي ينفي الحقائق الواقعية: أكثر من 70% من مواطني شرقي الأردن اليوم هم من الفلسطينيين.
وعلى ضوء الاعتقاد أن الأردن هي فلسطين، تقول الوثيقة "أنه يمكن ترحيل السكان العرب في الضفة الغربية وتحويلهم، وحتى بدون اقتلاعهم من بيوتهم إلى مواطني الدولة الفلسطينية التي عاصمتها عمان. وذلك شريطة أن يتم إعادة توطين سكان مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، والدول العربية، ويستطيع مواطنو "إسرائيل" العرب الذين يفضلون عدم الإعلان عن ولائهم لدولة اليهود وأن يصوتوا للبرلمان الفلسطيني في عمان، وذلك بدون أن يقتلعوا من بيوتهم. وإذا عاد عرب المناطق بشن حرب علينا يتم إبعادهم إلى دولتهم وراء الأردن".
لكن موليدت، ترفض الانتظار، وحتى تحصل الحرب، لذلك تطرح في الوثيقة دعوة أو مبادرة صهيونية، تقول: "فلنستبق الأمور من خلال الترحيل" الذي هو نقل عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية. وتتابع الوثيقة "الحل للنزاع "الإسرائيلي"-العربي والسلام بينهما لا يتحقق إلا من خلال الفصل بين الشعبين. اليهود في أرض "إسرائيل"، والعرب في الدول العربية. وستكون هذه المرحلة التالية من تبادل السكان التي بدأت مع الهجرة اليهودية من الدول الإسلامية إلى "إسرائيل"، وهكذا حسب الوثيقة" سيختفي الخطر الديموغرافي وتنجم الشروط للضم والسيطرة على مناطق الوطن المحررة".
بعد ذلك تنتقل الوثيقة إلى طرح أسئلة، تتصدى هي أيضًا بالإجابة عليها في مقدمة هذه الأسئلة، سؤال هل الترحيل أخلاقي وتجيب عليه: "هذا الحل أخلاقي سواء بشأن اليهود والذين ليس لهم وطن آخر أو بشأن الفلسطينيين الذين سيكونون هم الخاسرين من الحروب حين تتضرر بيوتهم ومنازلهم ويتحولون إلى لاجئين". وتضيف "في كل العالم يفهمون انه لا يوجد الآن سلام في دول ثنائية القومية. رغبة ضرورية للفصل"، لكن الإشكالية أنه لا يوجد دولة عربية توافق على هذه الفكرة وتقبل استيعاب الفلسطينيين. من هنا تولج الوثيقة إلى السؤال التالي هو كيف سيتم الترحيل؟ فتقول يجب على دولة "إسرائيل" أن تعرض طلبها بنقل عرب الضفة والقطاع كشرط "السلام" في إطار كل مفاوضات مستقبلية" وتتابع "لا نستطيع أن نتنازل عن هذه المناطق ولا نستطيع ان نحصل عليها في ظل وجود السكان فيها، لا تستطيع دولة "إسرائيل" أن تبقى طويلا من ناحية أمنية بدون أن تتمسك عسكريًا بالمناطق الغالية، في أرض "إسرائيل" والمعابر الأردنية".
وبصدد السؤال؛ هل الترحيل عملي؟ تجيب الوثيقة:
"الترحيل عملي وقابل للتنفيذ مثل المشروع الصهيوني منذ بدايته، وحتى يومنا -المشروع غير العملي- حيث كانت مهمة إقامة كيان يهودي وسط محيط عربي معادي، تبدو عديمة الفرص، وهكذا أيضًا الإعلان عن إقامة الدولة، والتصدي في 1948 على سبعة جيوش عربية نظامية، وخلق زراعة في منطقة شبه صحراوية وصنع دبابة وطائرة في البلاد بدون صناعة ثقيلة وغير ذلك. لقد نجحنا في كل ذلك بفضل الإيمان وعدم الخيار". وتدعو الوثيقة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات من طرف واحد على الفور لتشجيع الهجرة العربية من مناطق الضفة من أوساط معادية لضمان ولاء السكان، وإغلاق مؤسسات أكاديمية، أقيمت "من قبل إسرائيل" وحسب الوثيقة من أجل أن يتوجه طلابهم للدراسة في الدول العربية، وتقليص العبور عبر الجسور.
إضافة إلى ما تقدم تطرح الوثيقة الصادرة عن حركة موليدت، على نفسها أسئلة حول موقف الأحزاب الصهيونية الأخرى من مسألة "الترانسفير". وتبدأ بحزب العمل. هل حزب العمل يؤمن بالتعايش؟
فنقول: لا كذلك حزب العمل يئس من التعايش" ثم تنتقل، الليكود، هل الليكود يؤيد الترانسفير؟
تقول الوثيقة: "نعم.. أعضاء الليكود يؤيدون الترحيل ولكنهم يمتنعون عن الحديث حول ذلك، بوضوح كحل ممكن خوفًا من خسارة الأصوات العربية في الكفاح حول السلطة".
ثم توضح الوثيقة الفرق بين "موليدت، وكاخ، بخصوص "الترانسفير"، فترى أنه لا يوجد مجال للمقاومة بين أفكار موليدت وحركة كاخ كهانا فهي خلافًا لموليدت، لا تريد الترحيل المتفق عليه بالمفاوضات: إنها تروج لتهجير العرب بالقوة. التهجير عمل وحشي وغير يهودي وغير سياسي.
أما عن مصير عرب "إسرائيل"؟ فتوضح "أن هؤلاء الذين يسلمون بوجود دولة يهودية، ويلتزمون بالواجبات النابعة من ذلك، متمتعون بكل الحقوق، والذين يعارضون وجود دولة "إسرائيل" سيغادرون الدولة لأنها لنا".
لوجستيات الترحيل:
هي وثيقة تتضمن خططاً تفصيلية تتعلق بمواجهة "التهديد الديمغرافي" العربي للكيان الصهيوني، عن طريق الإبعاد القسري لجميع الفلسطينيين من المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات. وقد صدرت الوثيقة عن جماعة "جَمْلَةَ"، وهي جماعة أسسها ضباط صهاينة سابقون ومستوطنون، وتعرف نفسها من خلال وظيفتها بأنها "تقف في خط المقدمة في المعركة من أجل أرض "إسرائيل"، وتنظم النشاطات وتشارك في التظاهرات وتنشر المقالات والملصقات من أجل تلك القضية، وأن معظم نشاطاتها منسقة، وتشارك فيها منظمات أساسية أخرى في المعسكر الوطني". كتب الوثيقة المؤلفة من (9000) كلمة (يوريس شوستيف) في 3-7-2002. جاء في مطلعها:
"إن التطهير العرقي الجماعي لكل فلسطيني هو الحل الوحيد الممكن للنزاع الفلسطيني-"الإسرائيلي"، وإن التوراة جاءت تؤكد هذا الحل وتدعو الوثيقة الكيان الصهيوني "أن يوضح بجلاء المجتمع للدولي، أنه إذا لم يتم اتخاذ قرار في غضون 3-5 سنوات بإقامة دولة للعرب الفلسطينيين في موقع ملائم فإنها ستضطر للبدء بإبعاد العرب إلى الأردن وسيناء".
ولا تعتبر الوثيقة (لوجستيات الترحيل) الأردن وسيناء الخيار الوحيد الذي يمكن أن يهجر الفلسطينيين إليهما، بل تطرح خيارات أخرى، وبالتحديد خيارين ترى أنهما جيدين، يوفرهما الوضع الجغرافي والسياسي الموجود اليوم، وهما إما على أرض العراق، أو على أرض المملكة العربية السعودية. والحديث عن هذين الخيارين، يرتبط بدرجة وثيقة بإيقاع الحرب الأميركية الوشيكة ضد العراق. وتعتبر أن اقتراح العراق لهذا الدور قديم، ويعود إلى سنة 1930. واليوم إذا كانت أميركا تدرس الإطاحة بصدام حسين، فإن فكرة إعادة إحلال العرب الفلسطينيين في العراق تستحق عناية شديدة جداً".
وتلاحظ الوثيقة أنه بعد تغيير النظام سيجري تقسيم العراق إلى مناطق عديدة تتمتع بالحكم الذاتي (للأكراد وللعرب الفلسطينيين مثلاً)، وترى في ذلك أحد أفضل الخيارات الاستراتيجية المتاحة. أما لماذا فذلك يعود حسب الوثيقة "لوجستيات الترحيل" وقبل كل شيء إلى القضاء وإلى الأبد على محاولات العراق كسب الهيمنة في العالم العربي، وثانياً سوف يزيل من الأجندة الدولية الحاجة المترائية لخلق دولة كردية "فإذا كان العرب الفلسطينيون بحاجة إلى أن تكون لهم دولتان، فمن الواضح أن الأكراد يستحقون واحدة على الأقل"، وثالثاً سوف يحل ذلك مشكلة العرب الفلسطينيين بإعطائهم دولة ثانية تكون موجودة بعيداً عن "إسرائيل"، بقدر مريح.
أما خيار تهجير الفلسطينيين إلى العربية السعودية، فهو يتم وفق اقتراح الصهيوني الأميركي (برترام كوهين) ما يسمى (خطة باروخ)، وتقول إن لذلك فوائد جمة، وأهم هذه الفوائد، هي أن الفلسطينيين يمكن إحلالهم في جوار وثيقة للأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة وبالتأكيد، فإن العيش في جوار هذه المواقع المقدسة الأهم، سيكون أفضل بكثير من السعي وراء "عاصمة في القدس" الأمر الذي هو رغبة سياسية محضة تقريباً، والذي لن توافق فيه "إسرائيل" على التقسيم بأية حال،
وحيث أن السعوديين قد أيدوا مؤخراً ذلك التأييد الصريح للعديد من "خطط السلام" في الشرق الأوسط، فإن شيئاً لن يكون أدعى إلى الفخر من اقتسام أرضهم مع أشقائهم الفلسطينيين وتجعل من قبول السعوديين لهذا الخيار البرهان على صدق دعوتهم "للسلام"، إذ تقول "فإذا كان السعوديون معنيين حقاً بالسلام، فإن دعمهم هذا الخيار سوف يجلب السلام حقاً للمنطقة، لأنه سوف يقضي على المصدر الأساسي للاحتلال (بين العرب واليهود).
وتبشر الوثيقة بأن التأكيد على أنه في كلا الخيارين ستكون مساحة الأراضي المخصصة للفلسطينيين أربعة أو خمسة أضعاف المساحة المبالغة في الضفة الغربية وقطاع غزة (2268) ميل مربع. أما النقطة الثانية، والبالغة الأهمية في تأكيد هذين الخيارين فهي أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سوف تحل على الفور، وسوف يكونون قادرين على بدء الانتقال إلى وطنهم الجديد، مع العون الإنساني والمساعدة المالية في المجتمع الدولي، وفي مقدمته "إسرائيل".
كذلك تتطرق الوثيقة إلى التفاصيل عن الكيفية التي يتم من خلالها تنفيذ الترحيل. وتحدد الوسيلة بالعمليات العسكرية الخاطفة وتقترح أن تكون البداية، عملية إعادة توطين مجموعة صغيرة (ألف شخص) خلال 48 ساعة بما يشبه عملية عسكرية لعبور الحدود. أما المنطقة التي يتم إبعاد الناس منها فيجب هدمها بالكامل وتسويتها بالأرض.
وتدعو الخطة إلى تنفيذ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حال أبدى أي فلسطيني مقاومة، "إن أي محاولات من جانب العرب الفلسطينيين للقيام بنشاط تخريبي، أو فدائي يجب إخمادها على الفور بأكثر الوسائل وحشية" وتدعو الوثيقة لتحقيق ذلك إلى الأخذ باقتراح الأستاذ بجامعة هارفارد، المحامي الليبرالي الأميركي "آلان ديرشوفيتز"، مع بعض التعديلات الطفيفة، والاقتراح ينص على ما يلي: "تصدر "إسرائيل" تحذيراً بأنها ستقوم –رداً على أي هجوم فدائي- بهدم قرية أو مستوطنة عربية هدماً كاملاً على الفور وسيتم اختيارها عشوائياً بواسطة الكمبيوتر من قائمة منشورة،
ويتمثل جوهر الفكرة في جعل العرب مسؤولين تماماً عن مصيرهم بأنفسهم وتوضيح أن الأعمال الفدائية لن تكون مرفوضة فقط، بل سيلقن العرب بسببها عقاباً قاسياً". وعندئذ "سيعرف العرب إلى جانب المجتمع الدولي ما سيحل بهم بالضبط إذا هاجموا اليهود وسيؤدي استخدام الكمبيوتر لاختيار مكان الرد "الإسرائيلي" إلى وضع العرب واليهود على قدم المساواة. فاليهود لا يعرفون المكان الذي سينفذ الفدائيون فيه ضربتهم، والعرب لا يعرفون أي واحدة من قراهم ومستوطناتهم ستتم إزالتها على سبيل الرد".
ويتضمن الاقتراح هجمات فدائية، وسيزداد وفق الوثيقة بكل تأكيد عدد العرب الراغبين في مغادرة أرض إسرائيل" لا شك أن السابقة الوحيدة لمثل هذا النهج المرعب والمنهجي للتطهير العرقي، هو عمليات الإبعاد والتطهير العرقي الذي خططت له ومارسته النازية في فترة الحرب العالمية الثانية، ولا يفوت كاتب وثيقة "لوجستيات الترحيل" أن يبين الأسباب التي تجعل من ترحيل العرب بما يدعوها "أرض إسرائيل" ضرورة قصوى، ويحددها بثلاثة أسباب، أو مبررات، وهي بالطبع ذاتها أهداف الترحيل وهي:
1- إيجاد مساحة مادية بين "إسرائيل" والعرب الفلسطينيين، الأمر الذي سيستأصل تماماً أية قدرة (على المدى البعيد، أية رغبة أيضاً) لديهم للقيام بأعمال عنف ضد اليهود.
2- سيؤدي ذلك إلى القضاء على التهديد الديمغرافي الذي تتعرض له الدولة اليهودية.
3- سوف يسمح لـ"إسرائيل" بأن تحقق تطوراًُ أكبر في ظل الظروف أكثر ملاءمة للشعب اليهودي الذي يعيش وحده.
ما يلفت الانتباه أن الوثيقة وهي ترسم تفاصيل حفظ الأبعاد، وتحدد أماكنه، تعترف بوجود معضلات وتعقيدات تواجه تلك الخطط. لذا فهي تدعو إلى مقاربتها في آن واحد وعلى جميع المستويات من خلال تضمينها العناصر التالية:
أ- حملة إعلامية في الساحة الدولية.
ب- حملة إعلامية توضيحية وسط اليهود "الإسرائيليين".
ج- حملة إعلامية وسط عرب الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشجيعهم على قبول التوطين.
د- حملة إعلامية وسط عرب "إسرائيل".
هـ- إجراءات من جانب "إسرائيل" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعملية الترحيل ذاتها.
بالنسبة للحملة الإعلامية في الساحة الدولية، تلحظ الوثيقة لممارستها سببين:
1- جعل المجتمع العربي يأخذ في الحسبان على الأقل فكرة الترحيل، وإطلاعه على فوائد الحملة. وفي حين أن فرص اكتساب دعم دولي واسع النطاق ضيقة للغاية، فإن هذه الفرص تساوي الصفر تماماً، إذا لم تخرج خطة الترحيل لترى ضوء النهار.
2- إن "إسرائيل" ليست بحاجة حقاً إلى "إقناع" جميع العالم، بل تحتاج إلى النزر اليسير من الدعم والتأييد من قبل حلفائها وهي الولايات المتحدة الأميركية، وحتى مع مثل هذا التأييد المحدود، يصبح تنفيذ الترحيل أيسر بدرجة غير متناهية.
أما العنوان الذي تتوسله الحملة الإعلامية على الساحة الدولية، فهو أن خلق الدولة الفلسطينية الجديدة على جزء من أراضي إحدى الدول العربية الموجودة، ستكون أكثر قابلية للحياة، وستملك من فرص النمو والازدهار أكثر مما لو حشرت في الضفة الغربية وقطاع غزة (2268) ميل مربع، من الأراضي غير المتجاورة. وفي الوقت نفسه سوف يقل الخطر على السلام العالمي بصورة مؤثرة"، كما تتوسل توجيه النقاش بعيداً عن "الفكرة الممعنة في الضعف فكرة "الحق في الأرض" إلى فكرة أجدر هي فكرة "الحق في وجود طبيعي عادي مع تضاؤل خطر نشوب حرب واسعة"،
وأهم الاعتبارات هنا كما تقول الوثيقة إن الترحيل سوف ينقذ ما لا يعد ولا يحصى من أرواح العرب واليهود، ويوفر قدراً أكبر من الاستقرار الإقليمي ويمنح العرب الفلسطينيين الفرصة في مستقبل أفضل بكثير مما يمكن أن يأملوا منه لو صنعت لهم دولة في الضفة وغزة. وكما يبدو ومن متن الوثيقة فإن الواقع العربي المجزأ ينطوي على أفضل وسيلة لإقناع العالم بضرورة تأييد "إسرائيل" بترحيل الفلسطينيين وخلق دولة لهم على جزء من أراضي إحدى الدول العربية
"معظم الدول العربية خلقت صناعياً نتيجة لتقسيم القوى العالمية، أراضي الإمبراطورية العثمانية على هواها في نهاية الحرب العالمية الأولى. ومن المنطقي في سبيل السلام اجتزاء قطعة من تلك الأراضي الشاسعة لتكون دولة جديدة للعرب الفلسطينيين". ولإكساب هذه الحجة مزيداً من الوزن، ولمساندة العمل التوضيحي الذي يقوم به الناطقون الرسميون "الإسرائيليون" على الساحة الدولية، ستحتاج "إسرائيل" إلى اتخاذ العديد من الإجراءات على الأرض.
وتقترح الوثيقة أن يكون أول هذه الإجراءات، هو الضم الفوري لجميع أراضي الضفة والقطاع، حيث سيجعل هذا الإجراء "إسرائيل" في وضع مماثل لوضع العراق والسعودية، إذ سيتعامل النقاش عندئذ، مع أخذ الأراضي من دول ذات سيادة. ولا تنسق الوثيقة أن ترفع يافطة القانون الدولي، لتبرير ضم الضفة والقطاع، حيث هذه الأراضي بموجب قراءتها الخاصة للقانون الدولي غير محتلة، ولذلك لأسباب عدة تراها الوثيقة وهي:
1- إن هذه الأراضي لم يسبق لها أن كانت تحت أي نوع من السيادة الفلسطينية قبل اتفاقيات أوسلو.
2- إن "إسرائيل" كسبت هذه الأراضي في حرب دفاعية، من عدو ولم تكتسب سيادته عليها في أي اعتراف دولي أبداً.
3- وضع هذه الأراضي أنها متنازع عليها، لا محتلة.
أما بخصوص الحملة الإعلامية بين اليهود "الإسرائيليين"، تجد الوثيقة مبررها في أنه لو كان اليهود في السابق مقتنعين بضرورة فعل ذلك، لكان ترحيل العرب قد تم منذ أمد طويل، ولكانت العلاقات بين "إسرائيل" والعرب تنعم بصحة أفضل بكثير.
وتدعو الحملة إلى التركيز على إمكانية تطبيق الترحيل عبر إثباته ولبرهنة عليه. وفي سبيل ذلك تؤكد على الاعتبارات الأخلاقية للترحيل، من خلال إظهار أنه السبيل للحفاظ على الأرواح، وجعل المستقبل العادي ممكناً، بالنسبة لأعداد هائلة من الناس، الذين لم يكن لديهم في السابق، أي أمل أبداً، بموجب ذلك يعد الترحيل هو أكثر الخيارات أخلاقية، لذا ترى الوثيقة بأن الوقت قد حان لإعادة هذه "القضية المقلوبة رأساً على عقب لكي تقف على قدميها من جديد بحيث تكف عن كونها محرمة".
فضلاً عن ذلك فإن الترحيل، لن ينهي التوتر في الشرق الأوسط وحسب، على افتراض أن المجتمع الدولي يساعد في نقل العرب إلى مكان آخر، بل إنه سيعزز كذلك القدرة الدفاعية للدولة اليهودية بدرجة حاسمة، وسيمنح الترحيل "إسرائيل" الأغلبية اليهودية الدائمة التي تحتاج إليها، ويمنحها المزيد من الأمن، والمزيد من العمق العسكري والاستراتيجي، وسوف يؤدي إلى عودة الانتعاش لحركة هجرة اليهود إلى "إسرائيل" ويزيل السيف المسلط على رقبة "إسرائيل"، وهو "مشكلة اللاجئين". وتتوسل الحملة الإعلامية بين اليهود "الإسرائيليين" إعادة توكيد الرابطة الدينية بين اليهود وبين أرضهم، ويجب أن يقع الدور إلى تدني المساعدة على فك هذا الفراغ في تربيتهم اليهودية، كما تقول الوثيقة، على عاتق الحزب الديني الوطني وعلى رأسه آفي ايتام بخاصة".
ويبدو أن لا حاجة، كثيراً للجهد في مضمار الحملة الإعلامية في وسط اليهود و"الإسرائيليين" كون الترانسفير صار خيارهم الأوحد فطبقاً لاستطلاع سنوي للرأي العام لأغراض الأمن القومي، أجراه مركز "جافي للدراسات الاستراتيجية" بجامعة تل أبيب في نهاية شباط 2002 وأشرف عليه البروفيسور (أشرريان) فضّل 46% من اليهود ترحيل الفلسطينيين من الضفة والقطاع، وفي الوقت ذاته فضل 31% ترحيل عرب 1948 من "إسرائيل". وعند طرح موضوع الترحيل بطريقة غير مباشرة قال (60%) ممن أجابوا على السؤال أنهم يفضلون تشجيع عرب "إسرائيل" على مغادرة البلاد.
وفي تحليل لنتائج المسح المذكور، كتب آرييه دايان في هآرتس 17-3-2002، على لسان "يولي أولشتاين" نائب الوزير عن حزب "إسرائيل بعالياه": "لسوء الحظ تعكس نتائج الاستطلاع الواقع الذي أراه كل يوم تقريباً، فالبعض يؤيدون الترحيل بكل صراحة ووضوح، بينما يستعمل البعض الآخر عبارات أكثر مراوغة ومكراً ولكن الجميع متفقون على أنه لا بد من اتخاذ إجراء ما".
أما الحملة الإعلامية وسط عرب الضفة وغزة، وتشجيعهم على قبول إعادة التوطين، مسألة تفرضها صعوبة تنفيذ عملية الترحيل تستراً، حتى بالنسبة لجيش قوي للغاية، لذلك لا بد أن يتم الأمر طوعاً، وهذا هو الممكن الوحيد والمدخل حسب الوثيقة هو أن "يصل العرب إلى قناعة أن لا مستقبل لهم غرب أرض إسرائيل"
لذا "يجب على "إسرائيل" العمل على جعل الفلسطينيين يعرفون أن الترحيل يخدم مصلحتهم، ويجب أن يتم إجراء السياسات "الإسرائيلية" بهدف جعل العرب يرغبون في المغادرة". وتستأنف الوثيقة في هذا الخصوص باستطلاع للرأي بين الفلسطينيين، أجرته جامعة بيرزيت في 7و8 أيلول 2001، جاء فيه: "أنه في حال توفر الفرصة فإن 21.9% من العرب سيهاجرون، ويعني ذلك أن أكثر من (600) ألف عربي مستعدون للتخلي عن الضفة الغربية وقطاع غزة بحثاً عن فرص أفضل".
في ضوء ذلك ترى الوثيقة أنه في "حال أوضحت "إسرائيل" أنها تنوي تنفيذ خيار الترحيل، وإذا كانت ستقدم حوافز مناسبة للعرب لكي يرحلوا، فإن عدد الذين سيرغبون في الرحيل سيرتفع بدرجة كبيرة". وما يجعل الأمور سهلة لذلك، هو أن أكثر من 40% من عرب 1948 و50% من الضفة وغزة، وأكثر من نصف اللاجئين، تقل أعمارهم عن (16) عاماً، ولهذا معنى بالطبع لدى كاتب الوثيقة وهو أن ما يقل كثيراً عن نصف الفلسطينيين كانوا قد ولدوا قبل 1967، وأن أقل منهم بكثير كانوا موجودين قبل 1948 وبالتالي "فإن ارتباطهم بأرض لم يرها معظمهم أبداً، مستمد بدرجة كبيرة من رغبتهم في نوع من الحياة أفضل من التي يعيشونها. الآن، ومن دعاية قادتهم التي أسهمت كثيراً في تأجيج إحساسهم بأن ظلما قد وقع عليهم بالإضافة إلى عدم وجود ما يحسن حظهم، وعند منحهم فرصة حقيقية لمغادرة مخيمات اللاجئين والبدء ببناء حياة لأنفسهم من الممكن افتراض أن العديد من العرب الفلسطينيين سيتلقفون هذه الفرصة". وثمة سبب رئيسي آخر تلحظه الوثيقة، يبقى عرب الضفة وغزة "مرتبطين بأرض إسرائيل" وهو "أن معظم أسباب عيشهم يتحقق من العمل داخل إسرائيل".
وتسترشد في هذا الصدد بمقالة (يزكل بن نون) في صحيفة "ماكورريشون" الصهيونية 21-3-2002، يقول فيها "حتى الوقت الحاضر، وعلى الرغم من تقييد "إسرائيل" دخول عرب الضفة وغزة إلى "إسرائيل"، إلا أن أعداداً كبيرة منهم لا تزال تعمل في إسرائيل"، ويشير إلى أن "الإسرائيليين يستخدمون (150) ألف عامل من عرب 1967 يومياً"، وبناء على قول منسق الأمم المتحدة تيري لارسون من أن كل عامل عربي يعيل نحو (10) أفراد عرب، فإن إجمالي ما تعيله "الشركات "الإسرائيلية" (1.5) مليون نسمة من عرب 1967، أو نصف إجمالي عددهم". وتثبت الوثيقة استنتاجها من أن "قدرة العمل في "إسرائيل" سبب رئيسي لاختيارهم البقاء في الضفة وغزة" ويقول (بن بنون) في مقالته "أنه ومنذ خفضت "إسرائيل" عدد تصاريح العمل التي تصدرها للعمال العرب، بلغ عدد العرب الذين غادروا المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في العام الماضي، وهاجروا إلى دول أجنبية نحو (100) ألف عربي" وتضيف الوثيقة إلى ذلك "دعونا لا ننسَ العرب الذين يفوق عددهم (600) ألف شخص الذين يريدون الهجرة".
إضافة إلى ما تقدم تعطي وثيقة "لوجستيات الترحيل" أهمية كبرى للحملة الإعلامية بين "العرب الإسرائيليين"، لأن حثهم على الرحيل كما تقول سيكون أكثر تعقيداً من فعل ذلك مع أشقائهم في الضفة وغزة واللاجئين. ومع ذلك يجب فعله "لأن عرب "إسرائيل"، حتى بمفردهم يشكلون تهديداً ديمغرافياً للشخصية اليهودية للدولة"، و"إسرائيل" لا تملك ببساطة خيار آخر غير ترحيلهم. وتقترح الوثيقة إجراءات تضييق على عرب 1948، من أجل دفعهم للمغادرة، منها:
1- سن قانون يشترط بصيغة من الصيغ أن مواطني غير اليهود، بينما يحتفظون بالحقوق المدنية العاملة التي لا تقبل الإلغاء لن تكون لهم المقدرة على المشاركة في الحياة السياسية "الإسرائيلية"... وسوف يشكل ذلك عقبة في طريق عيش العرب في إسرائيل".
2- اقتراح قانون يشجع على إعادة توطين "العرب الإسرائيليين" خارج "إسرائيل" من الدول العربية المحيطة (أو حين تقوم الدولة الفلسطينية الجديدة) مع تعويض مالي متزامن.
3- سن قانون يأمر بأداء نوع من الخدمة المدنية، يكون إلزامياً على جميع المواطنين اليهود منهم والعرب، وعلى العرب بعده أن يختاروا بين خدمة الدولة اليهودية أو الرحيل عنها.
4- يمكن إعطاء "العرب الإسرائيليين" خياراً هو اعتناق اليهودية، إذ آثروا البقاء في "الدولة".
وتركز الوثيقة في منح هذا الخيار على سجلات التاريخ اليهودي التي تتحدث عنه حالات اعتناق اليهودية بصورة جماعية من قبل السكان غير اليهود "ففي سنة (120) ق.م وبعد إخضاع الآدوميين، منحهم جوناثان هيركافوس الخيار: إما أن يرحلوا، وإما أن يعتنقوا اليهودية. فآثر أكثر من مليون شخص أن يبقوا واعتنقوا اليهودية. وقد كتب يوسيفوس أن أحفاد هؤلاء بعد (100) سنة كانوا من بين أشد المدافعين حماساً عن الدولة اليهودية في صراعها مع روما".
وبالرغم من تركيز الوثيقة على الحملات الإعلامية في المستويات المذكورة آنفاًَ، فإنها لا تغالي في المراهنة عليها، بل تدعو "إسرائيل" أن تنفذ معها وفي آن واحد إجراءات في الضفة وغزة لإثبات جدية نواياها.
وتتمثل الخطوة الأولى في طرد عرفات وضم الضفة وغزة كما تدعو إلى الأخذ باقتراح البروفيسور (بول أيدليبيريج) القاضي "بيع قطع أراضي الضفة وغزة بأسعار بخسة لليهود والذين يقيمون في أي مكان في العالم ويريد الانتقال إلى إسرائيل" وهناك اقتراح أيضاً "يتعلق بترحيل مؤسسات حكومية عديدة إلى الضفة وغزة" ويجب أن يصبح تطوير "الحياة اليهودية باستمرار في "الضفة وغزة أولوية في سياسة إسرائيل" وهناك مهمة ذات أهمية مماثلة وهي تطوير البنية التحتية للضفة وغزة بما في ذلك بناء طرق سريعة ومطار وميناء بحري".
كما نصت الوثيقة على ضرورة الرد على أي عمل "تخريبي أو إرهابي" ينفذه العرب، بأكثر الطرق وحشية، ومن الممكن في هذا الصدد تنفيذ الاقتراح الذي تقدم به البروفيسور (آلان ديرشوفيتز). كما تطالب الوثيقة بوضع يشبه الجدول الزمني لكي يتحقق الترحيل، حيث يحدد مراحل زمنية بعينها، ينبغي أن يتم خلالها إنجاز مراحل الترحيل. ويفضل أن تتم عملية الترحيل برمتها، بأسرع ما يمكن بحيث لا تتجاوز مدتها 5-8 سنوات.
كما يجب على "إسرائيل" إجراء حوار مع الأردن ومصر بشأن موضوع إعادة توطين عرب الضفة وغزة فيهما، وفي حال عدم نجاح هذا الخيار، إعادة توطينهم في العراق والسعودية.
وتترك الوثيقة الخاتمة للحياة أن تضيف التصويبات التي تقتضيها هذه العملية. لكنها تستمر في التأكيد "أن القضايا التي تبدو في الوقت الراهن مستحيلة الحل بصورة مطلقة، أو يمكن تحقيقها وسط جو من الجدل، سوف تصبح أيسر حلاً، وأسهل في إنجازها عندما يحين الوقت المناسب، والأمر الذي يقوم جميع ما سواه في الأهمية هو ضرورة وجود هدف واضح، والتحرك نحو الحقيقة". والهدف هو الترحيل والطرد الجماعي لعرب فلسطين، وهي تكسب هذا الهدف صفة "المطلق الإلهي الذي لا يجوز التنازل عنه. لذا فإن آخر عبارة في الوثيقة مقتبسة من كتاب الحاخام (شلومو كار ليباخ) "الإشراق المقدس": "إن أرض "إسرائيل" هي حجرة نوم الرب، حيث يتعايش مع اليهود، شعبه المختار، وحيث لا مكان للآخرين ولا شأن لهم بالعلاقة بين الرب والشعب اليهودي".
تصورات أخرى عن "الترانسفير":
لا شك أن ما يجري داخل الأراضي المحتلة يشير إلى حقيقة أن الكيان الصهيوني، لم يتوقف عند تحويل فكرة "الترانسفير" إلى مخططات. وإنما بدأ بترجمتها على الأرض، تهيئة لمباشرته في اللحظة المؤاتية. وفي هذا الصدد يقول محمد حسنين هيكل: "لم يلتفت أحد بالقدر الكافي إلى تعليمات شارون الأولى: فقد أمر بتنظيف تقاطعات الطرق، وتقاطعات العبور من الحجارة، بكل الوسائل، بما فيها الجرافات، حتى لا يجد الأطفال هناك (حجارة) يستعملونها، أي أنه بدأ بعملية "نزع السلاح" وقد تكون تلك إشارة رمزية غير مقصودة إلى نزع البشر إذا لم يجد نزع السلاح"، ويحدد خيار شارون بعد تصفية السلطة الفلسطينية بأنه "قد يحاول نوعاً من الخيار الأردني، بحيث تؤول إلى الأردن تلك البقايا التي لا تريدها "إسرائيل" من فلسطين، ويكون لهذه الدولة وما آل إليها، أن تختار اسمها النهائي، فتكون (الأردن) أو تكون (فلسطين) إذا شاءت، وطبقاً لمعلومات أوردها المعلق "الإسرائيلي" الأكثر إطلاعاً في "إسرائيل" زئيف شيف، فإن عناصر الأردن، طلبت إلى "إسرائيل" قبل اجتماعات (طابا) في شهر ديسمبر (ك1 2001) أن لا تسلم منطقة غور الأردن، للسلطة الفلسطينية، لأن ذلك سوف يُوجِد جواراً بين حدود الأردن وحدود الدولة الفلسطينية (الموعودة)" وذلك جوارٌ لا يريده الأردن. لكن الأردن في الوقت نفسه "يتمنى أن لا يكون بديل عدم إعطاء (غور الأردن) للسلطة، قيام "إسرائيل" بضم المنطقة إليها،
ويتابع هيكل "ثم كان هناك بعد ذلك اقتراح بأن يظل مصير المنطقة معلقاً لمدة (12) سنة على الأقل" ويستنتج هيكل "أن هذا الطلب بصرف النظر عن أصحابه، إشارة موحية بأن هناك عناصر على استعداد للتفكير مرة أخرى، أو أنه مطلوب منها التفكير مرة أخرى في نوع من الخيار الأردني". إضافة إلى ذلك كان هناك ما تجري كتابته لمستقبل الشرق الأوسط، مطلع القرن الحادي والعشرين، نوقش في لندن وواشنطن في الأسابيع الأخيرة من حياة الملك حسين، في شهر كانون الثاني عام 1998 حيث قضى أكثر من أسبوعين بين واشنطن ولندن، وفي السيناريو ما يلبي طموح الملك الشخصي في وراثة العرش الهاشمي في بغداد والملك وإن تحمس أحياناً، فإنه تردد في اللحظات الحرجة شكاً في أوضاع الإقليم المحيطة فيه، وقلقاً من نوايا بعض الحكام المقربين من حدوده، وكان بين تحفظات الملك: أنه يريد أن يعرف بالتحديد ما يحق للأردن أن يتوقعه في ختام هذا السيناريو "وإن كان يستطيع ضمان عرش العراق لواحد من أبنائه، علماً بأن "إسرائيل" كانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة "باحتمال أنها تستطيع تهجير ألوف الفلسطينيين إلى شمال العراق".
ويبدو ومن المعطيات المتوفرة أن السيناريو المذكور، قد جرى طبخه عام 1996 من قبل ريتشارد بيرل مساعد وزير الدفاع الأميركي، وواغ فايت، الشخص الثالث في البنتاغون، في إدارة بوش الابن، وذلك مع مجموعة صغيرة من الباحثين الذين طالبوا بمساعدة نتنياهو في خطواته الأولى كرئيس للحكومة، حيث أعدوا ورقة عمل تضمنت خطة لإعادة العراق بمساعدة الكيان الصهيوني إلى حكم العائلة الهاشمية. ومع بدء أمريكا، قرع طبول الحرب ضد العراق، أخرج هذا السيناريو إلى النور، ويمكن اختصاره في بضع كلمات:
"فلسطين هي "إسرائيل"، الأردن هو فلسطين، العراق هو الحكومة الهاشمية". ويمكن التلميح بميل الإدارة الأميركية إلى هذا الخيار في التصريح العلني لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، حين وصف الاحتلال الصهيوني للضفة والقطاع بأنه "ليس احتلالاً" كما يزعم. الكاتب الصهيوني اليكس منيشمان، أشار إلى أن التصور الأميركي الصهيوني يقوم على دمج العراق مع الأردن ليتحولا إلى مملكة هاشمية واحدة، ويشير إلى أن مشاركة ولي العهد الأردني السابق الأمير الحسن في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن، منتصف تموز عام 2002، كان لهذا الهدف، الذي يتضمن أيضاً نقل الفلسطينيين إلى الأردن. لكن لا يجب تصور أن المسألة هي دمج بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي تشكيل إدارة هاشمية للفسيفساء العشائرية والمذهبية والأثنية التي تعتزم الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني إنتاجها في المشرق العربي. ويلقي الضوء على ذلك تقرير مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى (ريان كروكر) وخلاصة هذا التقرير أنه يدعو الإدارة الأميركية إلى عملية عسكرية في العراق لفرض حل للمسألتين الفلسطينية والعراقية، عبر إسقاط نظام صدام حسين، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق "كردستان العراق" مما سيؤدي إلى خلخلة التركيبة الديمغرافية للعراق،
وبالتالي استخدام هذا الخلل كوقود في صراعات عرقية عربية – كردية (آشورية، تركمانية). وإذا كان التوطين يخدم إيران وتركيا، كونه سيلغي احتمال قيام دولة كردية في المستقبل، فإنه من جهة أخرى سيقلق طهران من ازدياد العنصر العربي (السني) على حدودها الشمالية، بقدر ما سيقلق أنقرة، إذا كان هذا التوطين سيتمركز في مدينة كركوك النفطية على حساب التركمان الذين ستعتمد عليهم تركيا في أي تغيير محتمل في العراق، خصوصاً بعد ما عادت "المسألة التركمانية" إلى واجهة الأحداث السياسية في الآونة الأخيرة، مع انكشاف السيناريوهات التركية لإعلان كيان تركماني في الموصل وكركوك، وقيام أنقرة بتدريب مئات من العناصر التركمانية، لانتهاز فرصة الضربة العسكرية الأميركية، وإنشاء كيان سياسي "لقيط" تحت الوصاية التركية – الأميركية. لكن برغم أهمية هذه العناصر فإن "خيار كردستان" قابل للتطبيق وفق تصور كروكر ومساعديه.
لكن ما يثير الأسى أن يجري تبني السيناريو الأميركي – الصهيوني، المذكور ويتم تسويقه كحل منطقي للقضية الفلسطينية، من قبل بعض أقطاب المعارضة العراقية في الخارج، الأمر الذي يشير إلى أن مناقشة هذا السيناريو، تم على طاولة الحوار بين المعارضة العراقية المتأمركة، والقيادة الأميركية. وتلفت الانتباه في هذا السياق إلى دعوة "وفيق السامرائي" ليكون العراق الوطن البديل، حيث يقول: "يبدو أن العراق الدولة الأولى التي ينبغي أن تقدم حلاً جذرياً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس التوطين، وعدم تركهم معلقين بآمال العودة وفلسفة الضغط التي لم تثبت جدواها. أجل العراق هو المؤهل لهذا الموقف التاريخي"، ويحدد الأسباب وهي الخيرات ذاتها التي ساقتها المشاريع الصهيونية ويعددها السامرائي بالآتية:
- تبلغ مساحة العراق ضعف مساحة بريطانيا، ولا يزيد عدد نفوسه عن ثلث نفوسها تقريباً. الكثافة السكانية في بريطانيا (240) شخص/كم2، وفي العراق (50) شخاً/كم2. وقبل ذلك بألف عام كانت نفوس العراق بين (30-40) مليون، وهو بالتأكيد يكفي لاستيعاب أكثر من (60) مليون مع توافر مصادر الرزق والحياة.
- خلال السبعينات والثمانينات استقدم العراق عمالة بلغت (4) ملايين، وكانت الدولة تسمح لكل عامل بتحويل (2000) دولار سنوياً إلى الخارج، حسب سعر الصرف الرسمي، أي (8) مليارات دولار سنوياً وكان ممكناً استثمارها داخل العراق لو توافرت له كثافة سكانية.
– بعد رفع العقوبات سيتحول العراق إلى ورشة عمل كبيرة، وستتوافر فيه أموال طائلة، بحكم امتلاكه ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم، وسيحتاج إلى ما لا يقل عن (4) ملايين عامل.
- لا توجد اختلافات في العادات والتقاليد والثقافات بين الفلسطيني والعراقي، لذلك فإنهم قادرون على الانصهار والتعايش مع المجتمع العراقي.
- في المحصلة فإن العراق قادر على استيعاب ملايين الفلسطينيين الذين يقيمون في لبنان وسورية والأردن...الخ، وأن يكون هناك برنامج مساعدات دولي للتخلص من هذه المشكلة، ويتحمل العراق نسبة من التكاليف لأنه سيكون المستفيد من خطوة كهذه.
وينهي مقالته بالقول: "قد لا يكون ممكناً أو مناسباً المباشرة الفورية بالتوطين، لكن سواء بقي الحكم الحالي، أم تغير فينبغي النظر إلى العراق كوطن للفلسطينيين المشردين بعد (2-3) سنوات من الآن.
إضافة إلى ما تقدم، يأتي هناك البيان الذي أصدره (97) أكاديمياً "إسرائيليًا" في نقد السياسة "الإسرائيلية" والذي يشير إلى نية الحكومة الصهيونية القيام بعملية تطهير عرقي كاملة ضد الشعب الفلسطيني، وقد جاء في البيان: "... إننا قلقون جداً إزاء الدلائل التي تشير إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" قد تعمد إلى استغلال "فوضى الحرب" [ضد العراق] لكي ترتكب مزيداً من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهي جرائم قد تصل إلى حد التطهير العرقي الكامل. ويضم الائتلاف الحاكم في "إسرائيل" إضراباً تسوق لـ "ترانسفير" الشعب الفلسطيني كحل لما يصفونه بـ"المشكلة الديمغرافية". وغالباً ما يتم الاستشهاد بكلام لرجال السياسة في الوسائل الإعلامية يقترحون فيه "الترحيل ألقسري" وآخرهم مايكل كلاينز وبيني أيلون، مثلما ورد حديثهما في موقع "يديعوت أحرونوت" على الإنترنت في 19 أيلول 2002، وفي مقابلة حديثة العهد مع رئيس الأركان موشي ديلون في الهآرتس، وصف هذا الفلسطينيين بـ"الظاهرة السرطانية" وشبّه العمليات العسكرية في الأراضي المحتلة بـ"العلاج الكيميائي" مضيفاً أنه قد تكون ثمة حاجة إلى "علاج" أكثر جذرية. وقد أيد رئيس الحكومة شارون هذا "التقييم الواقعي". ويمكن أن يكون تصاعد الديماغوجية العنصرية إزاء مواطني "إسرائيل" الفلسطينيين مؤشراً على هدف الجرائم التي يتم التفكير ربما في ارتكابها".
وبالتوازي مع ذلك أقدم وزير العمل والرفاه الاجتماعي في حكومة شارون شلومو بنزري على إعادة إحياء ما يسمى "المجلس الديمغرافي" بهدف "الحفاظ على طابع "إسرائيل" كدولة يهودية"، مهمته العمل على محاور عدة أكثرها غرابة وعنصرية رسم "إستراتيجية للهندسة الاجتماعية" يتم بموجبها رفع عدد المواليد اليهود في "إسرائيل" وخفض عدد السكان من غير اليهود "الأغيار". وكانت "إسرائيل" قد أقامت هذا المجلس للمرة الأولى بعد حرب 1967، وقام برسم "سياسة إستراتيجية" للحفاظ على وجود غالبية سكانية يهودية تركزت منذ ذلك الوقت في مدينة القدس وفي مراكز المدن داخل الخط الأخضر ذات الأكثرية العربية خصوصاً في الجليل والمثلث. وترتكز سياسة هذا المجلس على ضرورة تحديد نسبة المواطنين العرب إلى أقل من (24%) من العدد الإجمالي للسكان.
لكن في ظل انكشاف المخطط الصهيوني لترحيل الفلسطينيين وسعي الشعب الفلسطيني للتصدي له، فإن السلطة الفلسطينية، وفي إطار معالجتها لمسألة المحاصرين في كنيسة المهد خلال عملية السور الواقي الصهيونية، أسبغت الشرعية على "الترانسفير" من خلال قبولها بترحيل (13) من المحاصرين إلى خارج الوطن الفلسطيني. وهذا ما أشارت إليه تصريحات العديد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية في الداخل. حسين الشيخ أمين سر مرجعية فتح في الضفة: "نحن في فتح نستهجن ونستغرب كيف يمكن أن تقوم السلطة الوطنية بتشريع مبدأ الترانسفير والترحيل بإبعاد المواطنين من أرض الوطن". متسائلاً: "ما الذي سيمنع حكومة شارون الآن من إبعاد عدد كبير من شعبنا تحت حجة أنهم متورطون في المقاومة؟"، وأضاف "لا يعقل بعد هذا النضال الطويل للشعب الفلسطيني طيلة عشرات السنين من أجل عودة اللاجئين أن يشرع في المقابل مبدأ الإبعاد".
عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حماس قال: "إن منهج الترحيل مبدأ صهيوني وإستراتيجية ثابتة لـ"إسرائيل""، ويضيف "الترانسفير باب أغلقه المبعدون في مرج الزهور عام 1992، والسلطة فتحته باتفاقها هذا".
أما على المستوى العربي فبعد فترة من التجاهل لخطر "الترانسفير" بدأت بعض الأصوات تعلو مشيرة إلى هذا الخطر. وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لدى استقباله رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق بييرمورا، أبدى خشيته من تهجير جدي للفلسطينيين إلى لبنان أو الأردن أو سورية.
مروان المشعر وزير خارجية الأردن، حذر من حالة تهجير للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، ورغم قوله إن بلاده تلقت تأكيدات من "إسرائيل" بعدم القيام بتهجير قسري إلى الأردن إلا أن بلاده غير مطمئنة بتاتا إلى ذلك، لأنه حتى الآن لم يصدر أي تصريح علني يؤكّد ذلك". جاء كلامه هذا خلال محاضرة له في مركز الإعلام الدولي في عمان.
أمين عام جامعة الدول العربية، حذر من خطر الترانسفير في وثيقة رسمية قدمها إلى وزراء "لجنة المبادرة العربية" خلال اجتماعها في بيروت. أشار فيها إلى خطة صهيونية لتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين واستقدام خمسة ملايين يهودي.
وإزاء خطر الترانسفير الداهم، (لأن مخططاته تتحرك بوتيرة سريعة) كان شعار عرب 1948 في يوم الأرض عام 2002 "التصدي للترانسفير والتمسك بالوطن بأي ثمن
شكلت اتفاقيات أوسلو محطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي-الصهيوني، حاول الكيان الصهيوني استثمارها إلى أقصى الحدود، لأجل بناء "إسرائيل العظمى"، الصيغة المعدلة لمشروع "إسرائيل الكبرى" حيث يتوسل فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على الوطن العربي من خلال مشروع "الشرق الأوسط الجديد" واستكمال تنفيذ برنامج مؤتمر بلتيمور الصهيوني المقرر عام 1942 والذي ينص على:
1- إنشاء دولة يهودية ذات سيادة تضم فلسطين وربما شرق الأردن أيضًا.
2- احتمال نقل السكان العرب من فلسطين إلى العراق.
3- قيادة يهودية للشرق الأوسط كله في مجال التطور الاقتصادي.
ارتسمت محاولات العدو الصهيوني في استثمار اتفاقيات أوسلو في منحيين:
الأول: فرض توطين اللاجئين الفلسطينيين في بلدان الشتات إن أمكن، وإلا نقلهم إلى العراق، عبر استثمار ما آلت إليه أحواله في أعقاب حرب الخليج الثانية. وقد سجلت محاولات حثيثة في هذا المجال، وبالتحديد لجهة توطينهم في العراق. يروي المناضل الأردني ليث شبيلات، في هذا الصدد أنه في لقاء استمر لمدة ساعتين، كان مغلقًا وسريًا أن الرئيس صدام حسين، كشف له عن سر جديد، وهو أن "قيادات عربية وسياسيين عربًا، طلبوا منه تحسين العلاقات مع "إسرائيل" على اعتبار أن ذلك هو الحل الوحيد، لإنهاء مشكلة العراق، وعلى اعتبار أن "إسرائيل" هي التي يمكن أن تقود عملية رفع الحصار عنه الشعب العراقي"،
ويقول شبيلات: "أخبرني صدام حسين، أنه رفض كل هذه العروض، بل إنه حذر بعض من فاتحه فيها، بأن هذه هي المرة الأخيرة التي سيسمح لهم بمفاتحته بهذا الموضوع". الخبيرة الأميركية د. لارا دريك الاختصاصية في السياسة الإستراتيجية، وعضو اللجنة التنفيذية لمؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان، تكفلت بتوضيح المطلوب من العراق، صهيونيًا، عبر تحذيرها من مشروعات لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، وخاصة في العراق. وقالت خلال لقاء نظمته وزارة الإعلام في السلطة الفلسطينية: "إن دولاً عظمى عدة جددت عرضها على الحكومة العراقية، مقابل رفع العقوبات والحصار عنها".
وأضافت موضحة "أن الإدارة ا لأميركية، اقترحت مشروعًا لتوطين اللاجئين الفلسطينيين عام 1993، في غرب العراق في المنطقة الصحراوية. وحاليًا وقبل أشهر أعيد طرح هذا الموضوع بعد أزمة المفتشين الدوليين بين الأمم المتحدة والعراق"، وتابعت "إن خطة أخرى منحت خلال العامين الماضيين تسعى لتوطين اللاجئين الفلسطينيين الموجودين بلبنان في منطقة الخليج العربي"، مشيرة إلى أن الخطة هي بلجيكية الأصل قام بها أحد المؤيدين للوبي الصهيوني، وطرحها وفد للكونغرس الأميركي زار منطقة الخليج.
وأشارت الخبيرة الأميركية، أن النائب الجمهوري عن نيويورك، ورئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب، غيلمان، قد شكل ووفدًا زار دول قطر والسعودية والإمارات أواخر آذار ومطلع نيسان عام 1997 وتركزت محادثاته حول التسوية السياسية في المرحلة النهائية. ومن جملة ما بحث مع المسئولين الخليجيين موضوع اللاجئين واحتمال استيعاب وتوطين ما بين (30-40) ألف فلسطيني في كل دولة خليجية على حدة، بالإضافة إلى توطين الفلسطينيين العاملين حاليًا في دول الخليج العربي. ورأت أن رفض دول الخليج للخطة التي عرضها غيلمان، أحيا خطة توطين اللاجئين في العراق.
أما المنحنى الثاني فقام على تركيز الجهد على مواجهة ما يسميه الخطاب الصهيوني "القنبلة الديموغرافية" الفلسطينية، وبالتحديد تجاه فلسطين عام 1948، عبر القيام بعملية "ترانسفير" شاملة ضدهم، لكن من غير أن تعلن ذلك مباشرة. وتجدر الإشارة إلى أن تعبير "القنبلة الديموغرافية" تعبير عنصري محض، يعبر عن عنصرية الصهيونية التي تسعى إلى بناء "إسرائيل" نقية من العرب. وقد تبلور هذا القصور في دراسة شاملة موسعة لعدد كبير من الخبراء الصهاينة، بدأت عام 1944، وانتهت عام 1997، لتستشرف صورة الكيان الصهيوني خلال ربع القرن أي حتى عام 2020م.
شارك في إعداد هذه الدراسة (250) خبيرًا فنيًا من كبار المهنيين من المكاتب والشركات الهندسية المتخصصة والأكاديميين من كل الجامعات ا لصهيونية، وممثلين عن الوزارات والوكالة اليهودية.. الخ. كما اشترك في إعدادها خبراء أجانب. تمت الدراسة تحت إشراف البروفيسور آدم مازور، وصدر العمل كاملاً (18) مجلدًا، تحت عنوان "تصورات حول مستقبل "إسرائيل" حتى عام 2020م". تطرق المشروع لضائقة ومحدودية الأرض التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني، ولا تكفيه للتوسع. ويلاحظ أن القاعدة التي انطلق منها المشروع في حساباته، هي الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، والجولان السورية المحتلة.
أما الضفة الغربية وقطاع غزة فهما خارج حساباته، ويناقش المخطط عدد السكان بكثير من الحذر لأنه يتعلق جذريًا بقدرة الكيان الصهيوني على جذب اليهود في العالم للهجرة إليه. لذلك فإن تقديرات عدد السكان للعام 2020، المذكور في المخطط لا تشمل الهجرة اليهودية إلا في أضيق نطاق. يقدر المخطط عدد السكان في الكيان الصهيوني عام 2020. حوالي (8) ملايين و(100) ألف نسمة، منهم (5) ملايين و(832) ألف يهودي، بزيادة سنوية (1%) فقط ومليونين و (268) ألف فلسطيني، بزيادة سنوية (3%). وهذا يعني أن نسبة الفلسطينيين (بمن فيهم سكان القدس) إلى القدس ستزيد من (23%) عام 1994 إلى حوالي (40%) عام 2020م. لكن الكيان العنصري لا يقبل هذا الواقع. لذا يحاول إيجاد وسائل أخرى لمطاردة وهم دوام الأكثرية اليهودية، ويعلق الباحث الفلسطيني سلمان أبو ستة على ذلك بقوله: "بدراسة متأنية لتوزيع الفلسطينيين، واليهود في "إسرائيل"، بين عامي 1994 و 2020، حسب المخطط "الإسرائيلي"، نجد أن "إسرائيل" تنوي القيام بعملية تنظيف عرقي جديد لتحقيقها ذلك، ودون أن يذكر هذا المخطط صراحة".
ويتابع أبو ستة: "إن مقارنة الأرقام وتوزيع السكان بين 1994 و 2020 يؤدي إلى استنتاج أن المخطط يهدف إلى الآتي:
نقل الفلسطينيين من مراكز تجمعهم الحالية في الجليل والمثلث إلى وسط البلاد، حيث الكثافة اليهودية، بحيث يفقدون قاعدتهم الزراعية والاقتصادية ويصبحون أجزاء لدى اليهود. بالمقابل يشجع المخطط اليهود على الانتقال من الوسط إلى الجليل والمثلث والنقب، باغراءات الإعفاءات من الضرائب، والدعم الاقتصادي لكي يقطعوا أوصال التواصل العربي السكاني الممتد من الشمال إلى الجنوب محاذيًا لخط الهدنة. ويلاحظ أيضًا أن إعادة التوزيع هذه تمنع الفلسطينيين من تكوين غالبية سكانية، في أي مما يسمى (بالمناطق الطبيعية) وهي أصغر تقسيم إداري للبلاد".
ويتابع أبو ستة موضحًا استنتاجاته: "والسبب نفسه، وقبل إصدار المخطط قامت "إسرائيل" بإنشاء طريق سريع واسع (رقم 6) من الشمال إلى الجنوب، يخترق المناطق الفلسطينية في "إسرائيل"، ويستولي على بعضها، ويقسمها إلى مناطق منعزلة، دون أن يفيدها اقتصاديًا أو يصلها بهذا الطريق".
*وثيقة هرتسليا:
ما بدا من أحاديث أو مخططات صهيونية، مستترة عن "الترانسفير" في مرحلة أوسلو، بحيث تحتاج إلى استنتاج وحصانة لاكتشافها، صارت مع اندلاع انتفاضة الأقصى علنية، وموضوعًا للتداول والنقاش، وعنوانًا لمؤتمرات ووثائق، ودعوات لمؤسسات وأفراد صهاينة من مختلف الأطياف والتيارات السياسية والأيديولوجية الصهيونية، حتى يمكن القول أنها باتت تشكل أحد أبرز التجليات الحديثة لفكرة "الترانسفير".
وكان الأبرز في هذا السياق، مؤتمر هرتسليا، والوثيقة الصادرة عنه "وثيقة هرتسليا"، الذي عقد خلال الفترة ما بين 19-21 كانون الأول عام 2000، أي بعد مرور ثلاثة أشهر على اندلاع الانتفاضة، وجرت أعماله في فندق دان أكاديا في مدينة هرتسليا تحت عنوان "ميزان المناعة والأمن القومي - اتجاهات لسياسة عامة".
شارك في أعماله أكثر من (300) شخصية يمثلون النخب الصهيونية في مختلف المجالات، من أبرز الحضور الرئيس الصهيوني موشي كتساف، ايهود باراك، وكان رئيس الوزراء آنذاك، وسلفه بنيامين نتنياهو، وخلفه آرييل شارون، وشائول موفاز رئيس الأركان عندئذ. رئس المؤتمر عوزي أراد المستشار السياسي لرئيس الحكومة الأسبق نتنياهو، الذي قال في وصفه: "إن الذي لم يوجد هناك في المؤتمر كأنه غير محسوب في عداد القيادة "الإسرائيلية" العليا".
أما الصحافة الصهيونية فقد وضعته في مصاف المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد سنويًا في دافوس السويسرية، كذلك شبهته بمؤتمر "غابة بلادبرغ" في هولندا، الذي ولد عام 1956، كمنتدى سري، ومغلق لدرس مشاكل العالم وتنسيق السيطرة عليه.
كان سبق انعقاد مؤتمر هرتسليا، تشكيل لجان تحضيرية درست مواضيع عدة، ناقشها المؤتمرون، منها:
- ميزان الدفاع والردع لدولة "إسرائيل".
- الحرب ضد الانتفاضة.
- الحرب مع الدول المجاورة.
- الحرب مع الدائرة الأبعد.
- التهديد الديموغرافي الفلسطيني.
- التفوق "الإسرائيلي" التكنولوجي.
بلور المؤتمر حصيلة مناقشاته في وثيقة مفصلة تضمنت النتائج والتوصيات التي ستوضع أمام أصحاب القرار. نشرت الوثيقة في كراس خاص أواسط آذار 2001، جاء في مقدمة تلك الوثيقة، التلخيص: أن أبحاث المؤتمر "جسدت بالملموس الشعور بأن "إسرائيل" تقف أمام مفترقات مصيرية، ستحسم فيها، إذا كانت على فترة ازدهار أو فترة غروب. وأن سوف يكون هو رهن إرادتها".
ولعل أكثر الموضوعات الواردة في الوثيقة، على صلة مباشرة، بالموضوع المطروق "الترانسفير" لأنه أساسه هو "الخطر الديموغافي" الذي يواجهه الكيان الصهيوني من جانب السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن جانب فلسطيني 1948، على حد سواء. لذا فقد أولته الوثيقة، اهتمامًا كبيرًا. وفي مجال البحث، لمواجهة هذا "الخطر" جرى طرح أفكار ومشاريع حلول إجرامية وخطيرة تتراوح بين تحديد النسل القسري للفلسطينيين، وبين "الترانسفير" الذي يشمل سكان الضفة والقطاع، وكذلك فلسطيني 1948. وباعتراف الصحافي الصهيوني (مئير شيلغ) في صحيفة هآرتس (23-3-2001)، فإنها "وثيقة مذهلة في توصياتها، مذهلة في روحها العامة، وهي تتلاءم مع توجيه اليمين المتطرف ورؤيته، لا بل أن اليمين الصهيوني المتطرف، حسب قوله "ما كان بمقدوره أن يصوغ توصيات تعكس فكرة البوهيمي الجامح على نحو أفضل مما صاغتها هذه الكراسة".
جاء في توصيف الوثيقة لـ "التهديد الديموغرافي" ما يلي:
"إن الشعب الفلسطيني يضاعف نفسه مرة كل عشرين سنة، حيث تبلغ نسبة زيادته السنوية (4.2%) وهي من أعلى الزيادات في العالم. وأن "نسبة الولادة في أوساط المسلمين (والفلسطينيين المسيحيين) في "إسرائيل" (4.6) مولود للمرأة. وهذا يكاد يكون ضعف نسبة الولادة عند اليهود في "إسرائيل" (2.6) مولود للمرأة. وحاليًا فإن واحدًا من كل خمسة مواطنين "إسرائيليين" بالتقريب هو عربي مسلم. وخلال السنوات العشرين تصبح النسبة واحدًا من كل ثلاثة". ينطوي هذا الوضع، حسب توصيف الوثيقة، على مغزى أمني خطير يتعلق بحيوية "إسرائيل" كدولة يهودية، كما ينطوي على مغزى اقتصادي، فللوسط العربي المتكاثر في "إسرائيل" مميزات وخصائص اجتماعية واقتصادية تحوله إلى صخرة تثقل على تطور "إسرائيل" ورفاهيتها، وذلك لأن نسبة المشاركين في قوة العمل في أوساط فلسطين 1948 منخفضة (النساء والأطفال لا يعملون). وفي المقابل يستهلك السكان الفلسطينيون خدمات عامة (تربية، صحة، تأمينات) بدرجة تفوق بشكل ملموس نسبتهم من مجموع السكان.
في ضوء ذلك توصي الوثيقة، بإلغاء مخصصات التأمين للعائلات كثيرة الأولاد "الفلسطينية". كما توصي بتوطين سكان يهود في مناطق الكثافة الفلسطينية، وبخاصة في الجليل والنقب، لمنع نشوء تواصل جغرافي، لأغلبية عربية في هذه المناطق. هذا ولا شك يذكرنا بـ"وثيقة كينغ". فضلاً عن ذلك تدعو وثيقة هرتسليا إلى تبادل في التجمعات السكانية بين "إسرائيل" و الدولة الفلسطينية. وهذا يعني ترحيل فلسطينيي 1948 وفلسطينيي القدسِ.
كذلك تقترح الوثيقة، الترحيل "الترانسفير" حتى لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة لكن من دون ذكرها صراحة وإنما ربطها بظرف محدد، هو المقارنة. وفي هذا السياق جاء في الوثيقة "ستكون هناك حاجة لإيجاد مخرج في مكان غير إسرائيل" ربما في شرق الأردن، لتوطين السكان الفلسطينيين في الضفة إذا لم يكبحوا من وتيرة تكاثرهم". وطالما يخطط الفكر الصهيوني لتحشيد عشرة ملايين يهودي في فلسطين، وطالما مصادر المياه والأرض محدودة، فخيار "الترانسفير" قائم في جدول الأعمال الصهيوني.
ومع وصول آرييل شارون إلى سدة الحكومة، بات رموز الترانسفير، يجلسون على سدة القرار السياسي والأمني في الكيان الصهيوني، حيث شهد عهده خروج موضوع "الترانسفير" إلى السطح. وبات جزءًا من النقاشات الداخلية الدائرة بين الأحزاب الصهيونية. وحين طالب حزب العمل بتنحية رموز التطرف في التشكيل الوزاري، وفي المقدمة منهم رحبعام زئيفي، لأن حزبه يتبنى رسميًا خيار "الترانسفير" تصدى لهم زئيفي، موضحًا أن "الترانسفير" سياسة "إسرائيلية" ثابتة، وليست مواقف حزب أو حركة سياسية، مورست منذ إنشاء الكيان الصهيوني. وحتى الآن ما زالت مستمرة. وقد مارسها حزب العمل لسنوات طويلة. لذلك اعتبر زئيفي حزبه (حركة موليت) "استمرار التراث "الإسرائيلي" وليس طارئًا عليه". ويقول زئيفي في مقاله في صحيفة (معاريف 4-3-2001): "نحن نتبنى فكرة الترانسفير، وما الخطأ في ذلك؟ إن الترانسفير الذي نقترحه هو ترانسفير طوعي، أو بالاتفاق هو إنساني، بينما تبنى حزب ماباي الترانسفير بالإكراه". ويستعيد زئيفي عملية "الترانسفير" القسري ضد أهالي اللد والرملة خلال نكبة 1948، فيقول: "حين حررنا (!!) لم نعرف كيف نتصرف مع السكان المدنيين، وسألنا القيادة فأمر المقدم اسحق رابين أن نبعدهم. وقال هذا أمر صادر عن بن غوريون رئيس الحكومة ووزير الدفاع (آنذاك)، لقد فعلنا ما أمرنا به. هل يعرف حزب العمل ذلك؟" وينهي زئيفي مقاله متسائلاً ومتحديًا قيادات حزب العمل برد ما، إذا كانت لديهم فكرة حقيقية لحل الصراع العربي-الصهيوني، باستثناء فكرة الترانسفير. بالطبع لا يتفرد رحبعام زئيفي (الذي اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) بالدعوة العلنية إلى "الترانسفير"، بل يشاطره حتى أقطاب التيار الصهيوني، ومن يسمون "أنصار معسكر السلام "الإسرائيلي". من هؤلاء مثلاً، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، الجنرال المتقاعد شلومو غازيت، في مقال له في أعقاب مؤتمر هرتسليا (يديعوت أحرونوت 28-3-2001) يقول فيه: "اتضح لي من قراءة وسماع توقعات الديموغرافيين، أنه في السياق الحالي، وإذا لم تتخذ الخطوات المطلوبة والحيوية، ستكف "إسرائيل" عن البقاء كدولة يهودية بأغلبية يهودية واضحة، ومضمونة". ويضيف متسائلاً: "ما الذي يتوجب فعله؟" ويجيب على ذلك السؤال وفق الآتي: "أولاً الاعتراف بوجود الخطر والحاجة إلى سياسة طوارئ وطنية، ثانيًا، اتخاذ خطوات تمنع زيادة فلسطيني 1948 داخل الدولة (كيف؟؟). ثالثًا اتخاذ خطوات لزيادة السكان اليهود في الدولة من خلال الهجرة والتهويد الجماعي(؟) لكل من هو غير يهودي ويرغب في ذلك"، ويعتبر غازيت أن العيش في جو الطوارئ واتخاذ إجراءات الطوارئ، ضرورة حتى يقدر الكيان الصهيوني على الخلاص من عرب فلسطين.
إزاء ذلك، فإن السؤال المطروح هو: هل هذا النوع من التفكير اليوم مجرد ظاهرة سياسية، أم هو مناخ صهيوني سائد يتجه نحو التبلور داخل التجمع الاستيطاني الصهيوني كله؟.
الكاتب الصهيوني (مئير سيتغلتيس) يقول "يعمل الزمن لصالحهم، ليس بسرعة، ولكن بثبات ويدور الحديث عن القوى المؤيدة لخيار الترانسفير، كحل شامل للنزاع "الإسرائيلي"-الفلسطيني.
إن مؤيدي الترحيل يتعززون يومًا بعد يوم. ومنذ الآن فإن مسألة نقل السكان الفلسطينيين غدت جزءًا مشروعًا من الجدال العام، وستغدو في المرحلة الثانية موضوعًا مركزيًا، في الانتخابات، وإنها مسألة وقت غير بعيد حتى نحظى بمشاهدة اليافطات الكبرى بصيغة (الترحيل الآن) وتقديري أن الانفجار الترحيلي متوقع مع نهاية هذا العقد".
وثيقة حركة موليدت:
أصدرت "حركة أمناء أرض إسرائيل" التي أسسها رحبعام زئيفي، نهاية شهر آذار عام 2002م، وثيقة عن "الترانسفير"، الذي يتصدر برنامج موليدت منذ تأسيسها. تبدأ الوثيقة، بمقدمة توضح طبيعتها وأهدافها، كمجموعة من أبحاث واقتباسات هدفها إزالة الغموض والجهالة.
ورفع الخطر الذي يمنع إجراء نقاش جدي حول خطة "السلام" التي تطرحها موليدت، انطلاقًا من الشعار الذي طرحه زئيفي في انتخابات الكنيست الثاني عشر: "فقط الترانسفير هو الذي يقود إلى السلام". بعد ذلك تنتقل الوثيقة، للحديث عن أصناف "الترحيل الترانسفير" حسب أسلوب تحققه وهي ثلاث:
1- "الترانسفير" الطوعي: مع استمرار التمسك بأرض الوطن من خلال إقامة المستوطنات، واستيعاب المهاجرين الذين نفذوا "ترانسفيرًا" طوعيًا، ونزحوا من أنحاء العالم من أجل التجمع في أرض الميعاد يجب تشجيع هجرة عرب الضفة الغربية بمساعدات مالية وغيرها.
2- "الترانسفير" من خلال القتال: لقد أثارت حرب الاستقلال، تغييرات جغرافية وديموغرافية، حين قاد الزعماء العرب أبناء شعبهم إلى النكبة المؤلمة. على الزعماء العرب أن يعرفوا اليوم أنه لا توجد حرب نظيفة، وأن من يشن الحرب ضد "شعب إسرائيل" سيدفع مقابل ذلك نزوحه عن بيته ومكان سكنه. وإذا لم يكونوا قادرين على العيش هنا، معنا بـ "سلام" فإنهم لن يعيشوا أبدًا.
إن قوة الردع "الإسرائيلي" لن تعود إلا إذا كان واضحًا لجيراننا أن الإرهاب سيؤدي إلى خسارة أرضهم مثلما حدث عام 1948، عام "النكبة" لهم، والاستقلال لنا.
3- "الترانسفير" بالاتفاق: هذا "الترانسفير" يجري حين تتوصل دولتان فيما بينهما إلى اتفاق يقضي بنقل سكان مدنيين إلى مكان آخر من أجل "السلام". هكذا للأسف اقتلع اليهود من سيناء ورفح في إطار اتفاق السلام بين "إسرائيل" ومصر، وهكذا دول كثيرة في العالم. وإذا شئنا نستطيع أن نطيق هذا عندنا وإقامة -باتفاق دولي- دولتين لشعبين على ضفتي نهر الأردن.
بعد ذلك تتطرق الوثيقة إلى فكرة "الوطن البديل" وتسحب في الحديث عنه، انطلاقًا من مقولة "ضفتا الأردن هذه لنا وتلك لنا أيضًا". لكن وللأسف –حسب تعبير الوثيقة- لا تزال الشرقية دولة عربية فلسطينية. فضفتا الأردن كلاهما "أرض إسرائيل التاريخية"، وكلاهما فلسطين (أرض "إسرائيل" التي وردت في وعد بلفور). وتعيد الوثيقة ذلك إلى ما تسميه الخطأ التاريخي الذي أرتكبه تشرشل، حين توج العائلة الهاشمية على فلسطين الشرقية، وأنشأ دولة الأردن من لا شيء، الأمر الذي ينفي الحقائق الواقعية: أكثر من 70% من مواطني شرقي الأردن اليوم هم من الفلسطينيين.
وعلى ضوء الاعتقاد أن الأردن هي فلسطين، تقول الوثيقة "أنه يمكن ترحيل السكان العرب في الضفة الغربية وتحويلهم، وحتى بدون اقتلاعهم من بيوتهم إلى مواطني الدولة الفلسطينية التي عاصمتها عمان. وذلك شريطة أن يتم إعادة توطين سكان مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، والدول العربية، ويستطيع مواطنو "إسرائيل" العرب الذين يفضلون عدم الإعلان عن ولائهم لدولة اليهود وأن يصوتوا للبرلمان الفلسطيني في عمان، وذلك بدون أن يقتلعوا من بيوتهم. وإذا عاد عرب المناطق بشن حرب علينا يتم إبعادهم إلى دولتهم وراء الأردن".
لكن موليدت، ترفض الانتظار، وحتى تحصل الحرب، لذلك تطرح في الوثيقة دعوة أو مبادرة صهيونية، تقول: "فلنستبق الأمور من خلال الترحيل" الذي هو نقل عرب الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدول العربية. وتتابع الوثيقة "الحل للنزاع "الإسرائيلي"-العربي والسلام بينهما لا يتحقق إلا من خلال الفصل بين الشعبين. اليهود في أرض "إسرائيل"، والعرب في الدول العربية. وستكون هذه المرحلة التالية من تبادل السكان التي بدأت مع الهجرة اليهودية من الدول الإسلامية إلى "إسرائيل"، وهكذا حسب الوثيقة" سيختفي الخطر الديموغرافي وتنجم الشروط للضم والسيطرة على مناطق الوطن المحررة".
بعد ذلك تنتقل الوثيقة إلى طرح أسئلة، تتصدى هي أيضًا بالإجابة عليها في مقدمة هذه الأسئلة، سؤال هل الترحيل أخلاقي وتجيب عليه: "هذا الحل أخلاقي سواء بشأن اليهود والذين ليس لهم وطن آخر أو بشأن الفلسطينيين الذين سيكونون هم الخاسرين من الحروب حين تتضرر بيوتهم ومنازلهم ويتحولون إلى لاجئين". وتضيف "في كل العالم يفهمون انه لا يوجد الآن سلام في دول ثنائية القومية. رغبة ضرورية للفصل"، لكن الإشكالية أنه لا يوجد دولة عربية توافق على هذه الفكرة وتقبل استيعاب الفلسطينيين. من هنا تولج الوثيقة إلى السؤال التالي هو كيف سيتم الترحيل؟ فتقول يجب على دولة "إسرائيل" أن تعرض طلبها بنقل عرب الضفة والقطاع كشرط "السلام" في إطار كل مفاوضات مستقبلية" وتتابع "لا نستطيع أن نتنازل عن هذه المناطق ولا نستطيع ان نحصل عليها في ظل وجود السكان فيها، لا تستطيع دولة "إسرائيل" أن تبقى طويلا من ناحية أمنية بدون أن تتمسك عسكريًا بالمناطق الغالية، في أرض "إسرائيل" والمعابر الأردنية".
وبصدد السؤال؛ هل الترحيل عملي؟ تجيب الوثيقة:
"الترحيل عملي وقابل للتنفيذ مثل المشروع الصهيوني منذ بدايته، وحتى يومنا -المشروع غير العملي- حيث كانت مهمة إقامة كيان يهودي وسط محيط عربي معادي، تبدو عديمة الفرص، وهكذا أيضًا الإعلان عن إقامة الدولة، والتصدي في 1948 على سبعة جيوش عربية نظامية، وخلق زراعة في منطقة شبه صحراوية وصنع دبابة وطائرة في البلاد بدون صناعة ثقيلة وغير ذلك. لقد نجحنا في كل ذلك بفضل الإيمان وعدم الخيار". وتدعو الوثيقة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات من طرف واحد على الفور لتشجيع الهجرة العربية من مناطق الضفة من أوساط معادية لضمان ولاء السكان، وإغلاق مؤسسات أكاديمية، أقيمت "من قبل إسرائيل" وحسب الوثيقة من أجل أن يتوجه طلابهم للدراسة في الدول العربية، وتقليص العبور عبر الجسور.
إضافة إلى ما تقدم تطرح الوثيقة الصادرة عن حركة موليدت، على نفسها أسئلة حول موقف الأحزاب الصهيونية الأخرى من مسألة "الترانسفير". وتبدأ بحزب العمل. هل حزب العمل يؤمن بالتعايش؟
فنقول: لا كذلك حزب العمل يئس من التعايش" ثم تنتقل، الليكود، هل الليكود يؤيد الترانسفير؟
تقول الوثيقة: "نعم.. أعضاء الليكود يؤيدون الترحيل ولكنهم يمتنعون عن الحديث حول ذلك، بوضوح كحل ممكن خوفًا من خسارة الأصوات العربية في الكفاح حول السلطة".
ثم توضح الوثيقة الفرق بين "موليدت، وكاخ، بخصوص "الترانسفير"، فترى أنه لا يوجد مجال للمقاومة بين أفكار موليدت وحركة كاخ كهانا فهي خلافًا لموليدت، لا تريد الترحيل المتفق عليه بالمفاوضات: إنها تروج لتهجير العرب بالقوة. التهجير عمل وحشي وغير يهودي وغير سياسي.
أما عن مصير عرب "إسرائيل"؟ فتوضح "أن هؤلاء الذين يسلمون بوجود دولة يهودية، ويلتزمون بالواجبات النابعة من ذلك، متمتعون بكل الحقوق، والذين يعارضون وجود دولة "إسرائيل" سيغادرون الدولة لأنها لنا".
لوجستيات الترحيل:
هي وثيقة تتضمن خططاً تفصيلية تتعلق بمواجهة "التهديد الديمغرافي" العربي للكيان الصهيوني، عن طريق الإبعاد القسري لجميع الفلسطينيين من المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات. وقد صدرت الوثيقة عن جماعة "جَمْلَةَ"، وهي جماعة أسسها ضباط صهاينة سابقون ومستوطنون، وتعرف نفسها من خلال وظيفتها بأنها "تقف في خط المقدمة في المعركة من أجل أرض "إسرائيل"، وتنظم النشاطات وتشارك في التظاهرات وتنشر المقالات والملصقات من أجل تلك القضية، وأن معظم نشاطاتها منسقة، وتشارك فيها منظمات أساسية أخرى في المعسكر الوطني". كتب الوثيقة المؤلفة من (9000) كلمة (يوريس شوستيف) في 3-7-2002. جاء في مطلعها:
"إن التطهير العرقي الجماعي لكل فلسطيني هو الحل الوحيد الممكن للنزاع الفلسطيني-"الإسرائيلي"، وإن التوراة جاءت تؤكد هذا الحل وتدعو الوثيقة الكيان الصهيوني "أن يوضح بجلاء المجتمع للدولي، أنه إذا لم يتم اتخاذ قرار في غضون 3-5 سنوات بإقامة دولة للعرب الفلسطينيين في موقع ملائم فإنها ستضطر للبدء بإبعاد العرب إلى الأردن وسيناء".
ولا تعتبر الوثيقة (لوجستيات الترحيل) الأردن وسيناء الخيار الوحيد الذي يمكن أن يهجر الفلسطينيين إليهما، بل تطرح خيارات أخرى، وبالتحديد خيارين ترى أنهما جيدين، يوفرهما الوضع الجغرافي والسياسي الموجود اليوم، وهما إما على أرض العراق، أو على أرض المملكة العربية السعودية. والحديث عن هذين الخيارين، يرتبط بدرجة وثيقة بإيقاع الحرب الأميركية الوشيكة ضد العراق. وتعتبر أن اقتراح العراق لهذا الدور قديم، ويعود إلى سنة 1930. واليوم إذا كانت أميركا تدرس الإطاحة بصدام حسين، فإن فكرة إعادة إحلال العرب الفلسطينيين في العراق تستحق عناية شديدة جداً".
وتلاحظ الوثيقة أنه بعد تغيير النظام سيجري تقسيم العراق إلى مناطق عديدة تتمتع بالحكم الذاتي (للأكراد وللعرب الفلسطينيين مثلاً)، وترى في ذلك أحد أفضل الخيارات الاستراتيجية المتاحة. أما لماذا فذلك يعود حسب الوثيقة "لوجستيات الترحيل" وقبل كل شيء إلى القضاء وإلى الأبد على محاولات العراق كسب الهيمنة في العالم العربي، وثانياً سوف يزيل من الأجندة الدولية الحاجة المترائية لخلق دولة كردية "فإذا كان العرب الفلسطينيون بحاجة إلى أن تكون لهم دولتان، فمن الواضح أن الأكراد يستحقون واحدة على الأقل"، وثالثاً سوف يحل ذلك مشكلة العرب الفلسطينيين بإعطائهم دولة ثانية تكون موجودة بعيداً عن "إسرائيل"، بقدر مريح.
أما خيار تهجير الفلسطينيين إلى العربية السعودية، فهو يتم وفق اقتراح الصهيوني الأميركي (برترام كوهين) ما يسمى (خطة باروخ)، وتقول إن لذلك فوائد جمة، وأهم هذه الفوائد، هي أن الفلسطينيين يمكن إحلالهم في جوار وثيقة للأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة وبالتأكيد، فإن العيش في جوار هذه المواقع المقدسة الأهم، سيكون أفضل بكثير من السعي وراء "عاصمة في القدس" الأمر الذي هو رغبة سياسية محضة تقريباً، والذي لن توافق فيه "إسرائيل" على التقسيم بأية حال،
وحيث أن السعوديين قد أيدوا مؤخراً ذلك التأييد الصريح للعديد من "خطط السلام" في الشرق الأوسط، فإن شيئاً لن يكون أدعى إلى الفخر من اقتسام أرضهم مع أشقائهم الفلسطينيين وتجعل من قبول السعوديين لهذا الخيار البرهان على صدق دعوتهم "للسلام"، إذ تقول "فإذا كان السعوديون معنيين حقاً بالسلام، فإن دعمهم هذا الخيار سوف يجلب السلام حقاً للمنطقة، لأنه سوف يقضي على المصدر الأساسي للاحتلال (بين العرب واليهود).
وتبشر الوثيقة بأن التأكيد على أنه في كلا الخيارين ستكون مساحة الأراضي المخصصة للفلسطينيين أربعة أو خمسة أضعاف المساحة المبالغة في الضفة الغربية وقطاع غزة (2268) ميل مربع. أما النقطة الثانية، والبالغة الأهمية في تأكيد هذين الخيارين فهي أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سوف تحل على الفور، وسوف يكونون قادرين على بدء الانتقال إلى وطنهم الجديد، مع العون الإنساني والمساعدة المالية في المجتمع الدولي، وفي مقدمته "إسرائيل".
كذلك تتطرق الوثيقة إلى التفاصيل عن الكيفية التي يتم من خلالها تنفيذ الترحيل. وتحدد الوسيلة بالعمليات العسكرية الخاطفة وتقترح أن تكون البداية، عملية إعادة توطين مجموعة صغيرة (ألف شخص) خلال 48 ساعة بما يشبه عملية عسكرية لعبور الحدود. أما المنطقة التي يتم إبعاد الناس منها فيجب هدمها بالكامل وتسويتها بالأرض.
وتدعو الخطة إلى تنفيذ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حال أبدى أي فلسطيني مقاومة، "إن أي محاولات من جانب العرب الفلسطينيين للقيام بنشاط تخريبي، أو فدائي يجب إخمادها على الفور بأكثر الوسائل وحشية" وتدعو الوثيقة لتحقيق ذلك إلى الأخذ باقتراح الأستاذ بجامعة هارفارد، المحامي الليبرالي الأميركي "آلان ديرشوفيتز"، مع بعض التعديلات الطفيفة، والاقتراح ينص على ما يلي: "تصدر "إسرائيل" تحذيراً بأنها ستقوم –رداً على أي هجوم فدائي- بهدم قرية أو مستوطنة عربية هدماً كاملاً على الفور وسيتم اختيارها عشوائياً بواسطة الكمبيوتر من قائمة منشورة،
ويتمثل جوهر الفكرة في جعل العرب مسؤولين تماماً عن مصيرهم بأنفسهم وتوضيح أن الأعمال الفدائية لن تكون مرفوضة فقط، بل سيلقن العرب بسببها عقاباً قاسياً". وعندئذ "سيعرف العرب إلى جانب المجتمع الدولي ما سيحل بهم بالضبط إذا هاجموا اليهود وسيؤدي استخدام الكمبيوتر لاختيار مكان الرد "الإسرائيلي" إلى وضع العرب واليهود على قدم المساواة. فاليهود لا يعرفون المكان الذي سينفذ الفدائيون فيه ضربتهم، والعرب لا يعرفون أي واحدة من قراهم ومستوطناتهم ستتم إزالتها على سبيل الرد".
ويتضمن الاقتراح هجمات فدائية، وسيزداد وفق الوثيقة بكل تأكيد عدد العرب الراغبين في مغادرة أرض إسرائيل" لا شك أن السابقة الوحيدة لمثل هذا النهج المرعب والمنهجي للتطهير العرقي، هو عمليات الإبعاد والتطهير العرقي الذي خططت له ومارسته النازية في فترة الحرب العالمية الثانية، ولا يفوت كاتب وثيقة "لوجستيات الترحيل" أن يبين الأسباب التي تجعل من ترحيل العرب بما يدعوها "أرض إسرائيل" ضرورة قصوى، ويحددها بثلاثة أسباب، أو مبررات، وهي بالطبع ذاتها أهداف الترحيل وهي:
1- إيجاد مساحة مادية بين "إسرائيل" والعرب الفلسطينيين، الأمر الذي سيستأصل تماماً أية قدرة (على المدى البعيد، أية رغبة أيضاً) لديهم للقيام بأعمال عنف ضد اليهود.
2- سيؤدي ذلك إلى القضاء على التهديد الديمغرافي الذي تتعرض له الدولة اليهودية.
3- سوف يسمح لـ"إسرائيل" بأن تحقق تطوراًُ أكبر في ظل الظروف أكثر ملاءمة للشعب اليهودي الذي يعيش وحده.
ما يلفت الانتباه أن الوثيقة وهي ترسم تفاصيل حفظ الأبعاد، وتحدد أماكنه، تعترف بوجود معضلات وتعقيدات تواجه تلك الخطط. لذا فهي تدعو إلى مقاربتها في آن واحد وعلى جميع المستويات من خلال تضمينها العناصر التالية:
أ- حملة إعلامية في الساحة الدولية.
ب- حملة إعلامية توضيحية وسط اليهود "الإسرائيليين".
ج- حملة إعلامية وسط عرب الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشجيعهم على قبول التوطين.
د- حملة إعلامية وسط عرب "إسرائيل".
هـ- إجراءات من جانب "إسرائيل" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعملية الترحيل ذاتها.
بالنسبة للحملة الإعلامية في الساحة الدولية، تلحظ الوثيقة لممارستها سببين:
1- جعل المجتمع العربي يأخذ في الحسبان على الأقل فكرة الترحيل، وإطلاعه على فوائد الحملة. وفي حين أن فرص اكتساب دعم دولي واسع النطاق ضيقة للغاية، فإن هذه الفرص تساوي الصفر تماماً، إذا لم تخرج خطة الترحيل لترى ضوء النهار.
2- إن "إسرائيل" ليست بحاجة حقاً إلى "إقناع" جميع العالم، بل تحتاج إلى النزر اليسير من الدعم والتأييد من قبل حلفائها وهي الولايات المتحدة الأميركية، وحتى مع مثل هذا التأييد المحدود، يصبح تنفيذ الترحيل أيسر بدرجة غير متناهية.
أما العنوان الذي تتوسله الحملة الإعلامية على الساحة الدولية، فهو أن خلق الدولة الفلسطينية الجديدة على جزء من أراضي إحدى الدول العربية الموجودة، ستكون أكثر قابلية للحياة، وستملك من فرص النمو والازدهار أكثر مما لو حشرت في الضفة الغربية وقطاع غزة (2268) ميل مربع، من الأراضي غير المتجاورة. وفي الوقت نفسه سوف يقل الخطر على السلام العالمي بصورة مؤثرة"، كما تتوسل توجيه النقاش بعيداً عن "الفكرة الممعنة في الضعف فكرة "الحق في الأرض" إلى فكرة أجدر هي فكرة "الحق في وجود طبيعي عادي مع تضاؤل خطر نشوب حرب واسعة"،
وأهم الاعتبارات هنا كما تقول الوثيقة إن الترحيل سوف ينقذ ما لا يعد ولا يحصى من أرواح العرب واليهود، ويوفر قدراً أكبر من الاستقرار الإقليمي ويمنح العرب الفلسطينيين الفرصة في مستقبل أفضل بكثير مما يمكن أن يأملوا منه لو صنعت لهم دولة في الضفة وغزة. وكما يبدو ومن متن الوثيقة فإن الواقع العربي المجزأ ينطوي على أفضل وسيلة لإقناع العالم بضرورة تأييد "إسرائيل" بترحيل الفلسطينيين وخلق دولة لهم على جزء من أراضي إحدى الدول العربية
"معظم الدول العربية خلقت صناعياً نتيجة لتقسيم القوى العالمية، أراضي الإمبراطورية العثمانية على هواها في نهاية الحرب العالمية الأولى. ومن المنطقي في سبيل السلام اجتزاء قطعة من تلك الأراضي الشاسعة لتكون دولة جديدة للعرب الفلسطينيين". ولإكساب هذه الحجة مزيداً من الوزن، ولمساندة العمل التوضيحي الذي يقوم به الناطقون الرسميون "الإسرائيليون" على الساحة الدولية، ستحتاج "إسرائيل" إلى اتخاذ العديد من الإجراءات على الأرض.
وتقترح الوثيقة أن يكون أول هذه الإجراءات، هو الضم الفوري لجميع أراضي الضفة والقطاع، حيث سيجعل هذا الإجراء "إسرائيل" في وضع مماثل لوضع العراق والسعودية، إذ سيتعامل النقاش عندئذ، مع أخذ الأراضي من دول ذات سيادة. ولا تنسق الوثيقة أن ترفع يافطة القانون الدولي، لتبرير ضم الضفة والقطاع، حيث هذه الأراضي بموجب قراءتها الخاصة للقانون الدولي غير محتلة، ولذلك لأسباب عدة تراها الوثيقة وهي:
1- إن هذه الأراضي لم يسبق لها أن كانت تحت أي نوع من السيادة الفلسطينية قبل اتفاقيات أوسلو.
2- إن "إسرائيل" كسبت هذه الأراضي في حرب دفاعية، من عدو ولم تكتسب سيادته عليها في أي اعتراف دولي أبداً.
3- وضع هذه الأراضي أنها متنازع عليها، لا محتلة.
أما بخصوص الحملة الإعلامية بين اليهود "الإسرائيليين"، تجد الوثيقة مبررها في أنه لو كان اليهود في السابق مقتنعين بضرورة فعل ذلك، لكان ترحيل العرب قد تم منذ أمد طويل، ولكانت العلاقات بين "إسرائيل" والعرب تنعم بصحة أفضل بكثير.
وتدعو الحملة إلى التركيز على إمكانية تطبيق الترحيل عبر إثباته ولبرهنة عليه. وفي سبيل ذلك تؤكد على الاعتبارات الأخلاقية للترحيل، من خلال إظهار أنه السبيل للحفاظ على الأرواح، وجعل المستقبل العادي ممكناً، بالنسبة لأعداد هائلة من الناس، الذين لم يكن لديهم في السابق، أي أمل أبداً، بموجب ذلك يعد الترحيل هو أكثر الخيارات أخلاقية، لذا ترى الوثيقة بأن الوقت قد حان لإعادة هذه "القضية المقلوبة رأساً على عقب لكي تقف على قدميها من جديد بحيث تكف عن كونها محرمة".
فضلاً عن ذلك فإن الترحيل، لن ينهي التوتر في الشرق الأوسط وحسب، على افتراض أن المجتمع الدولي يساعد في نقل العرب إلى مكان آخر، بل إنه سيعزز كذلك القدرة الدفاعية للدولة اليهودية بدرجة حاسمة، وسيمنح الترحيل "إسرائيل" الأغلبية اليهودية الدائمة التي تحتاج إليها، ويمنحها المزيد من الأمن، والمزيد من العمق العسكري والاستراتيجي، وسوف يؤدي إلى عودة الانتعاش لحركة هجرة اليهود إلى "إسرائيل" ويزيل السيف المسلط على رقبة "إسرائيل"، وهو "مشكلة اللاجئين". وتتوسل الحملة الإعلامية بين اليهود "الإسرائيليين" إعادة توكيد الرابطة الدينية بين اليهود وبين أرضهم، ويجب أن يقع الدور إلى تدني المساعدة على فك هذا الفراغ في تربيتهم اليهودية، كما تقول الوثيقة، على عاتق الحزب الديني الوطني وعلى رأسه آفي ايتام بخاصة".
ويبدو أن لا حاجة، كثيراً للجهد في مضمار الحملة الإعلامية في وسط اليهود و"الإسرائيليين" كون الترانسفير صار خيارهم الأوحد فطبقاً لاستطلاع سنوي للرأي العام لأغراض الأمن القومي، أجراه مركز "جافي للدراسات الاستراتيجية" بجامعة تل أبيب في نهاية شباط 2002 وأشرف عليه البروفيسور (أشرريان) فضّل 46% من اليهود ترحيل الفلسطينيين من الضفة والقطاع، وفي الوقت ذاته فضل 31% ترحيل عرب 1948 من "إسرائيل". وعند طرح موضوع الترحيل بطريقة غير مباشرة قال (60%) ممن أجابوا على السؤال أنهم يفضلون تشجيع عرب "إسرائيل" على مغادرة البلاد.
وفي تحليل لنتائج المسح المذكور، كتب آرييه دايان في هآرتس 17-3-2002، على لسان "يولي أولشتاين" نائب الوزير عن حزب "إسرائيل بعالياه": "لسوء الحظ تعكس نتائج الاستطلاع الواقع الذي أراه كل يوم تقريباً، فالبعض يؤيدون الترحيل بكل صراحة ووضوح، بينما يستعمل البعض الآخر عبارات أكثر مراوغة ومكراً ولكن الجميع متفقون على أنه لا بد من اتخاذ إجراء ما".
أما الحملة الإعلامية وسط عرب الضفة وغزة، وتشجيعهم على قبول إعادة التوطين، مسألة تفرضها صعوبة تنفيذ عملية الترحيل تستراً، حتى بالنسبة لجيش قوي للغاية، لذلك لا بد أن يتم الأمر طوعاً، وهذا هو الممكن الوحيد والمدخل حسب الوثيقة هو أن "يصل العرب إلى قناعة أن لا مستقبل لهم غرب أرض إسرائيل"
لذا "يجب على "إسرائيل" العمل على جعل الفلسطينيين يعرفون أن الترحيل يخدم مصلحتهم، ويجب أن يتم إجراء السياسات "الإسرائيلية" بهدف جعل العرب يرغبون في المغادرة". وتستأنف الوثيقة في هذا الخصوص باستطلاع للرأي بين الفلسطينيين، أجرته جامعة بيرزيت في 7و8 أيلول 2001، جاء فيه: "أنه في حال توفر الفرصة فإن 21.9% من العرب سيهاجرون، ويعني ذلك أن أكثر من (600) ألف عربي مستعدون للتخلي عن الضفة الغربية وقطاع غزة بحثاً عن فرص أفضل".
في ضوء ذلك ترى الوثيقة أنه في "حال أوضحت "إسرائيل" أنها تنوي تنفيذ خيار الترحيل، وإذا كانت ستقدم حوافز مناسبة للعرب لكي يرحلوا، فإن عدد الذين سيرغبون في الرحيل سيرتفع بدرجة كبيرة". وما يجعل الأمور سهلة لذلك، هو أن أكثر من 40% من عرب 1948 و50% من الضفة وغزة، وأكثر من نصف اللاجئين، تقل أعمارهم عن (16) عاماً، ولهذا معنى بالطبع لدى كاتب الوثيقة وهو أن ما يقل كثيراً عن نصف الفلسطينيين كانوا قد ولدوا قبل 1967، وأن أقل منهم بكثير كانوا موجودين قبل 1948 وبالتالي "فإن ارتباطهم بأرض لم يرها معظمهم أبداً، مستمد بدرجة كبيرة من رغبتهم في نوع من الحياة أفضل من التي يعيشونها. الآن، ومن دعاية قادتهم التي أسهمت كثيراً في تأجيج إحساسهم بأن ظلما قد وقع عليهم بالإضافة إلى عدم وجود ما يحسن حظهم، وعند منحهم فرصة حقيقية لمغادرة مخيمات اللاجئين والبدء ببناء حياة لأنفسهم من الممكن افتراض أن العديد من العرب الفلسطينيين سيتلقفون هذه الفرصة". وثمة سبب رئيسي آخر تلحظه الوثيقة، يبقى عرب الضفة وغزة "مرتبطين بأرض إسرائيل" وهو "أن معظم أسباب عيشهم يتحقق من العمل داخل إسرائيل".
وتسترشد في هذا الصدد بمقالة (يزكل بن نون) في صحيفة "ماكورريشون" الصهيونية 21-3-2002، يقول فيها "حتى الوقت الحاضر، وعلى الرغم من تقييد "إسرائيل" دخول عرب الضفة وغزة إلى "إسرائيل"، إلا أن أعداداً كبيرة منهم لا تزال تعمل في إسرائيل"، ويشير إلى أن "الإسرائيليين يستخدمون (150) ألف عامل من عرب 1967 يومياً"، وبناء على قول منسق الأمم المتحدة تيري لارسون من أن كل عامل عربي يعيل نحو (10) أفراد عرب، فإن إجمالي ما تعيله "الشركات "الإسرائيلية" (1.5) مليون نسمة من عرب 1967، أو نصف إجمالي عددهم". وتثبت الوثيقة استنتاجها من أن "قدرة العمل في "إسرائيل" سبب رئيسي لاختيارهم البقاء في الضفة وغزة" ويقول (بن بنون) في مقالته "أنه ومنذ خفضت "إسرائيل" عدد تصاريح العمل التي تصدرها للعمال العرب، بلغ عدد العرب الذين غادروا المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في العام الماضي، وهاجروا إلى دول أجنبية نحو (100) ألف عربي" وتضيف الوثيقة إلى ذلك "دعونا لا ننسَ العرب الذين يفوق عددهم (600) ألف شخص الذين يريدون الهجرة".
إضافة إلى ما تقدم تعطي وثيقة "لوجستيات الترحيل" أهمية كبرى للحملة الإعلامية بين "العرب الإسرائيليين"، لأن حثهم على الرحيل كما تقول سيكون أكثر تعقيداً من فعل ذلك مع أشقائهم في الضفة وغزة واللاجئين. ومع ذلك يجب فعله "لأن عرب "إسرائيل"، حتى بمفردهم يشكلون تهديداً ديمغرافياً للشخصية اليهودية للدولة"، و"إسرائيل" لا تملك ببساطة خيار آخر غير ترحيلهم. وتقترح الوثيقة إجراءات تضييق على عرب 1948، من أجل دفعهم للمغادرة، منها:
1- سن قانون يشترط بصيغة من الصيغ أن مواطني غير اليهود، بينما يحتفظون بالحقوق المدنية العاملة التي لا تقبل الإلغاء لن تكون لهم المقدرة على المشاركة في الحياة السياسية "الإسرائيلية"... وسوف يشكل ذلك عقبة في طريق عيش العرب في إسرائيل".
2- اقتراح قانون يشجع على إعادة توطين "العرب الإسرائيليين" خارج "إسرائيل" من الدول العربية المحيطة (أو حين تقوم الدولة الفلسطينية الجديدة) مع تعويض مالي متزامن.
3- سن قانون يأمر بأداء نوع من الخدمة المدنية، يكون إلزامياً على جميع المواطنين اليهود منهم والعرب، وعلى العرب بعده أن يختاروا بين خدمة الدولة اليهودية أو الرحيل عنها.
4- يمكن إعطاء "العرب الإسرائيليين" خياراً هو اعتناق اليهودية، إذ آثروا البقاء في "الدولة".
وتركز الوثيقة في منح هذا الخيار على سجلات التاريخ اليهودي التي تتحدث عنه حالات اعتناق اليهودية بصورة جماعية من قبل السكان غير اليهود "ففي سنة (120) ق.م وبعد إخضاع الآدوميين، منحهم جوناثان هيركافوس الخيار: إما أن يرحلوا، وإما أن يعتنقوا اليهودية. فآثر أكثر من مليون شخص أن يبقوا واعتنقوا اليهودية. وقد كتب يوسيفوس أن أحفاد هؤلاء بعد (100) سنة كانوا من بين أشد المدافعين حماساً عن الدولة اليهودية في صراعها مع روما".
وبالرغم من تركيز الوثيقة على الحملات الإعلامية في المستويات المذكورة آنفاًَ، فإنها لا تغالي في المراهنة عليها، بل تدعو "إسرائيل" أن تنفذ معها وفي آن واحد إجراءات في الضفة وغزة لإثبات جدية نواياها.
وتتمثل الخطوة الأولى في طرد عرفات وضم الضفة وغزة كما تدعو إلى الأخذ باقتراح البروفيسور (بول أيدليبيريج) القاضي "بيع قطع أراضي الضفة وغزة بأسعار بخسة لليهود والذين يقيمون في أي مكان في العالم ويريد الانتقال إلى إسرائيل" وهناك اقتراح أيضاً "يتعلق بترحيل مؤسسات حكومية عديدة إلى الضفة وغزة" ويجب أن يصبح تطوير "الحياة اليهودية باستمرار في "الضفة وغزة أولوية في سياسة إسرائيل" وهناك مهمة ذات أهمية مماثلة وهي تطوير البنية التحتية للضفة وغزة بما في ذلك بناء طرق سريعة ومطار وميناء بحري".
كما نصت الوثيقة على ضرورة الرد على أي عمل "تخريبي أو إرهابي" ينفذه العرب، بأكثر الطرق وحشية، ومن الممكن في هذا الصدد تنفيذ الاقتراح الذي تقدم به البروفيسور (آلان ديرشوفيتز). كما تطالب الوثيقة بوضع يشبه الجدول الزمني لكي يتحقق الترحيل، حيث يحدد مراحل زمنية بعينها، ينبغي أن يتم خلالها إنجاز مراحل الترحيل. ويفضل أن تتم عملية الترحيل برمتها، بأسرع ما يمكن بحيث لا تتجاوز مدتها 5-8 سنوات.
كما يجب على "إسرائيل" إجراء حوار مع الأردن ومصر بشأن موضوع إعادة توطين عرب الضفة وغزة فيهما، وفي حال عدم نجاح هذا الخيار، إعادة توطينهم في العراق والسعودية.
وتترك الوثيقة الخاتمة للحياة أن تضيف التصويبات التي تقتضيها هذه العملية. لكنها تستمر في التأكيد "أن القضايا التي تبدو في الوقت الراهن مستحيلة الحل بصورة مطلقة، أو يمكن تحقيقها وسط جو من الجدل، سوف تصبح أيسر حلاً، وأسهل في إنجازها عندما يحين الوقت المناسب، والأمر الذي يقوم جميع ما سواه في الأهمية هو ضرورة وجود هدف واضح، والتحرك نحو الحقيقة". والهدف هو الترحيل والطرد الجماعي لعرب فلسطين، وهي تكسب هذا الهدف صفة "المطلق الإلهي الذي لا يجوز التنازل عنه. لذا فإن آخر عبارة في الوثيقة مقتبسة من كتاب الحاخام (شلومو كار ليباخ) "الإشراق المقدس": "إن أرض "إسرائيل" هي حجرة نوم الرب، حيث يتعايش مع اليهود، شعبه المختار، وحيث لا مكان للآخرين ولا شأن لهم بالعلاقة بين الرب والشعب اليهودي".
تصورات أخرى عن "الترانسفير":
لا شك أن ما يجري داخل الأراضي المحتلة يشير إلى حقيقة أن الكيان الصهيوني، لم يتوقف عند تحويل فكرة "الترانسفير" إلى مخططات. وإنما بدأ بترجمتها على الأرض، تهيئة لمباشرته في اللحظة المؤاتية. وفي هذا الصدد يقول محمد حسنين هيكل: "لم يلتفت أحد بالقدر الكافي إلى تعليمات شارون الأولى: فقد أمر بتنظيف تقاطعات الطرق، وتقاطعات العبور من الحجارة، بكل الوسائل، بما فيها الجرافات، حتى لا يجد الأطفال هناك (حجارة) يستعملونها، أي أنه بدأ بعملية "نزع السلاح" وقد تكون تلك إشارة رمزية غير مقصودة إلى نزع البشر إذا لم يجد نزع السلاح"، ويحدد خيار شارون بعد تصفية السلطة الفلسطينية بأنه "قد يحاول نوعاً من الخيار الأردني، بحيث تؤول إلى الأردن تلك البقايا التي لا تريدها "إسرائيل" من فلسطين، ويكون لهذه الدولة وما آل إليها، أن تختار اسمها النهائي، فتكون (الأردن) أو تكون (فلسطين) إذا شاءت، وطبقاً لمعلومات أوردها المعلق "الإسرائيلي" الأكثر إطلاعاً في "إسرائيل" زئيف شيف، فإن عناصر الأردن، طلبت إلى "إسرائيل" قبل اجتماعات (طابا) في شهر ديسمبر (ك1 2001) أن لا تسلم منطقة غور الأردن، للسلطة الفلسطينية، لأن ذلك سوف يُوجِد جواراً بين حدود الأردن وحدود الدولة الفلسطينية (الموعودة)" وذلك جوارٌ لا يريده الأردن. لكن الأردن في الوقت نفسه "يتمنى أن لا يكون بديل عدم إعطاء (غور الأردن) للسلطة، قيام "إسرائيل" بضم المنطقة إليها،
ويتابع هيكل "ثم كان هناك بعد ذلك اقتراح بأن يظل مصير المنطقة معلقاً لمدة (12) سنة على الأقل" ويستنتج هيكل "أن هذا الطلب بصرف النظر عن أصحابه، إشارة موحية بأن هناك عناصر على استعداد للتفكير مرة أخرى، أو أنه مطلوب منها التفكير مرة أخرى في نوع من الخيار الأردني". إضافة إلى ذلك كان هناك ما تجري كتابته لمستقبل الشرق الأوسط، مطلع القرن الحادي والعشرين، نوقش في لندن وواشنطن في الأسابيع الأخيرة من حياة الملك حسين، في شهر كانون الثاني عام 1998 حيث قضى أكثر من أسبوعين بين واشنطن ولندن، وفي السيناريو ما يلبي طموح الملك الشخصي في وراثة العرش الهاشمي في بغداد والملك وإن تحمس أحياناً، فإنه تردد في اللحظات الحرجة شكاً في أوضاع الإقليم المحيطة فيه، وقلقاً من نوايا بعض الحكام المقربين من حدوده، وكان بين تحفظات الملك: أنه يريد أن يعرف بالتحديد ما يحق للأردن أن يتوقعه في ختام هذا السيناريو "وإن كان يستطيع ضمان عرش العراق لواحد من أبنائه، علماً بأن "إسرائيل" كانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة "باحتمال أنها تستطيع تهجير ألوف الفلسطينيين إلى شمال العراق".
ويبدو ومن المعطيات المتوفرة أن السيناريو المذكور، قد جرى طبخه عام 1996 من قبل ريتشارد بيرل مساعد وزير الدفاع الأميركي، وواغ فايت، الشخص الثالث في البنتاغون، في إدارة بوش الابن، وذلك مع مجموعة صغيرة من الباحثين الذين طالبوا بمساعدة نتنياهو في خطواته الأولى كرئيس للحكومة، حيث أعدوا ورقة عمل تضمنت خطة لإعادة العراق بمساعدة الكيان الصهيوني إلى حكم العائلة الهاشمية. ومع بدء أمريكا، قرع طبول الحرب ضد العراق، أخرج هذا السيناريو إلى النور، ويمكن اختصاره في بضع كلمات:
"فلسطين هي "إسرائيل"، الأردن هو فلسطين، العراق هو الحكومة الهاشمية". ويمكن التلميح بميل الإدارة الأميركية إلى هذا الخيار في التصريح العلني لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، حين وصف الاحتلال الصهيوني للضفة والقطاع بأنه "ليس احتلالاً" كما يزعم. الكاتب الصهيوني اليكس منيشمان، أشار إلى أن التصور الأميركي الصهيوني يقوم على دمج العراق مع الأردن ليتحولا إلى مملكة هاشمية واحدة، ويشير إلى أن مشاركة ولي العهد الأردني السابق الأمير الحسن في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن، منتصف تموز عام 2002، كان لهذا الهدف، الذي يتضمن أيضاً نقل الفلسطينيين إلى الأردن. لكن لا يجب تصور أن المسألة هي دمج بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي تشكيل إدارة هاشمية للفسيفساء العشائرية والمذهبية والأثنية التي تعتزم الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني إنتاجها في المشرق العربي. ويلقي الضوء على ذلك تقرير مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى (ريان كروكر) وخلاصة هذا التقرير أنه يدعو الإدارة الأميركية إلى عملية عسكرية في العراق لفرض حل للمسألتين الفلسطينية والعراقية، عبر إسقاط نظام صدام حسين، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق "كردستان العراق" مما سيؤدي إلى خلخلة التركيبة الديمغرافية للعراق،
وبالتالي استخدام هذا الخلل كوقود في صراعات عرقية عربية – كردية (آشورية، تركمانية). وإذا كان التوطين يخدم إيران وتركيا، كونه سيلغي احتمال قيام دولة كردية في المستقبل، فإنه من جهة أخرى سيقلق طهران من ازدياد العنصر العربي (السني) على حدودها الشمالية، بقدر ما سيقلق أنقرة، إذا كان هذا التوطين سيتمركز في مدينة كركوك النفطية على حساب التركمان الذين ستعتمد عليهم تركيا في أي تغيير محتمل في العراق، خصوصاً بعد ما عادت "المسألة التركمانية" إلى واجهة الأحداث السياسية في الآونة الأخيرة، مع انكشاف السيناريوهات التركية لإعلان كيان تركماني في الموصل وكركوك، وقيام أنقرة بتدريب مئات من العناصر التركمانية، لانتهاز فرصة الضربة العسكرية الأميركية، وإنشاء كيان سياسي "لقيط" تحت الوصاية التركية – الأميركية. لكن برغم أهمية هذه العناصر فإن "خيار كردستان" قابل للتطبيق وفق تصور كروكر ومساعديه.
لكن ما يثير الأسى أن يجري تبني السيناريو الأميركي – الصهيوني، المذكور ويتم تسويقه كحل منطقي للقضية الفلسطينية، من قبل بعض أقطاب المعارضة العراقية في الخارج، الأمر الذي يشير إلى أن مناقشة هذا السيناريو، تم على طاولة الحوار بين المعارضة العراقية المتأمركة، والقيادة الأميركية. وتلفت الانتباه في هذا السياق إلى دعوة "وفيق السامرائي" ليكون العراق الوطن البديل، حيث يقول: "يبدو أن العراق الدولة الأولى التي ينبغي أن تقدم حلاً جذرياً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس التوطين، وعدم تركهم معلقين بآمال العودة وفلسفة الضغط التي لم تثبت جدواها. أجل العراق هو المؤهل لهذا الموقف التاريخي"، ويحدد الأسباب وهي الخيرات ذاتها التي ساقتها المشاريع الصهيونية ويعددها السامرائي بالآتية:
- تبلغ مساحة العراق ضعف مساحة بريطانيا، ولا يزيد عدد نفوسه عن ثلث نفوسها تقريباً. الكثافة السكانية في بريطانيا (240) شخص/كم2، وفي العراق (50) شخاً/كم2. وقبل ذلك بألف عام كانت نفوس العراق بين (30-40) مليون، وهو بالتأكيد يكفي لاستيعاب أكثر من (60) مليون مع توافر مصادر الرزق والحياة.
- خلال السبعينات والثمانينات استقدم العراق عمالة بلغت (4) ملايين، وكانت الدولة تسمح لكل عامل بتحويل (2000) دولار سنوياً إلى الخارج، حسب سعر الصرف الرسمي، أي (8) مليارات دولار سنوياً وكان ممكناً استثمارها داخل العراق لو توافرت له كثافة سكانية.
– بعد رفع العقوبات سيتحول العراق إلى ورشة عمل كبيرة، وستتوافر فيه أموال طائلة، بحكم امتلاكه ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم، وسيحتاج إلى ما لا يقل عن (4) ملايين عامل.
- لا توجد اختلافات في العادات والتقاليد والثقافات بين الفلسطيني والعراقي، لذلك فإنهم قادرون على الانصهار والتعايش مع المجتمع العراقي.
- في المحصلة فإن العراق قادر على استيعاب ملايين الفلسطينيين الذين يقيمون في لبنان وسورية والأردن...الخ، وأن يكون هناك برنامج مساعدات دولي للتخلص من هذه المشكلة، ويتحمل العراق نسبة من التكاليف لأنه سيكون المستفيد من خطوة كهذه.
وينهي مقالته بالقول: "قد لا يكون ممكناً أو مناسباً المباشرة الفورية بالتوطين، لكن سواء بقي الحكم الحالي، أم تغير فينبغي النظر إلى العراق كوطن للفلسطينيين المشردين بعد (2-3) سنوات من الآن.
إضافة إلى ما تقدم، يأتي هناك البيان الذي أصدره (97) أكاديمياً "إسرائيليًا" في نقد السياسة "الإسرائيلية" والذي يشير إلى نية الحكومة الصهيونية القيام بعملية تطهير عرقي كاملة ضد الشعب الفلسطيني، وقد جاء في البيان: "... إننا قلقون جداً إزاء الدلائل التي تشير إلى أن الحكومة "الإسرائيلية" قد تعمد إلى استغلال "فوضى الحرب" [ضد العراق] لكي ترتكب مزيداً من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهي جرائم قد تصل إلى حد التطهير العرقي الكامل. ويضم الائتلاف الحاكم في "إسرائيل" إضراباً تسوق لـ "ترانسفير" الشعب الفلسطيني كحل لما يصفونه بـ"المشكلة الديمغرافية". وغالباً ما يتم الاستشهاد بكلام لرجال السياسة في الوسائل الإعلامية يقترحون فيه "الترحيل ألقسري" وآخرهم مايكل كلاينز وبيني أيلون، مثلما ورد حديثهما في موقع "يديعوت أحرونوت" على الإنترنت في 19 أيلول 2002، وفي مقابلة حديثة العهد مع رئيس الأركان موشي ديلون في الهآرتس، وصف هذا الفلسطينيين بـ"الظاهرة السرطانية" وشبّه العمليات العسكرية في الأراضي المحتلة بـ"العلاج الكيميائي" مضيفاً أنه قد تكون ثمة حاجة إلى "علاج" أكثر جذرية. وقد أيد رئيس الحكومة شارون هذا "التقييم الواقعي". ويمكن أن يكون تصاعد الديماغوجية العنصرية إزاء مواطني "إسرائيل" الفلسطينيين مؤشراً على هدف الجرائم التي يتم التفكير ربما في ارتكابها".
وبالتوازي مع ذلك أقدم وزير العمل والرفاه الاجتماعي في حكومة شارون شلومو بنزري على إعادة إحياء ما يسمى "المجلس الديمغرافي" بهدف "الحفاظ على طابع "إسرائيل" كدولة يهودية"، مهمته العمل على محاور عدة أكثرها غرابة وعنصرية رسم "إستراتيجية للهندسة الاجتماعية" يتم بموجبها رفع عدد المواليد اليهود في "إسرائيل" وخفض عدد السكان من غير اليهود "الأغيار". وكانت "إسرائيل" قد أقامت هذا المجلس للمرة الأولى بعد حرب 1967، وقام برسم "سياسة إستراتيجية" للحفاظ على وجود غالبية سكانية يهودية تركزت منذ ذلك الوقت في مدينة القدس وفي مراكز المدن داخل الخط الأخضر ذات الأكثرية العربية خصوصاً في الجليل والمثلث. وترتكز سياسة هذا المجلس على ضرورة تحديد نسبة المواطنين العرب إلى أقل من (24%) من العدد الإجمالي للسكان.
لكن في ظل انكشاف المخطط الصهيوني لترحيل الفلسطينيين وسعي الشعب الفلسطيني للتصدي له، فإن السلطة الفلسطينية، وفي إطار معالجتها لمسألة المحاصرين في كنيسة المهد خلال عملية السور الواقي الصهيونية، أسبغت الشرعية على "الترانسفير" من خلال قبولها بترحيل (13) من المحاصرين إلى خارج الوطن الفلسطيني. وهذا ما أشارت إليه تصريحات العديد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية في الداخل. حسين الشيخ أمين سر مرجعية فتح في الضفة: "نحن في فتح نستهجن ونستغرب كيف يمكن أن تقوم السلطة الوطنية بتشريع مبدأ الترانسفير والترحيل بإبعاد المواطنين من أرض الوطن". متسائلاً: "ما الذي سيمنع حكومة شارون الآن من إبعاد عدد كبير من شعبنا تحت حجة أنهم متورطون في المقاومة؟"، وأضاف "لا يعقل بعد هذا النضال الطويل للشعب الفلسطيني طيلة عشرات السنين من أجل عودة اللاجئين أن يشرع في المقابل مبدأ الإبعاد".
عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حماس قال: "إن منهج الترحيل مبدأ صهيوني وإستراتيجية ثابتة لـ"إسرائيل""، ويضيف "الترانسفير باب أغلقه المبعدون في مرج الزهور عام 1992، والسلطة فتحته باتفاقها هذا".
أما على المستوى العربي فبعد فترة من التجاهل لخطر "الترانسفير" بدأت بعض الأصوات تعلو مشيرة إلى هذا الخطر. وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي لدى استقباله رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق بييرمورا، أبدى خشيته من تهجير جدي للفلسطينيين إلى لبنان أو الأردن أو سورية.
مروان المشعر وزير خارجية الأردن، حذر من حالة تهجير للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، ورغم قوله إن بلاده تلقت تأكيدات من "إسرائيل" بعدم القيام بتهجير قسري إلى الأردن إلا أن بلاده غير مطمئنة بتاتا إلى ذلك، لأنه حتى الآن لم يصدر أي تصريح علني يؤكّد ذلك". جاء كلامه هذا خلال محاضرة له في مركز الإعلام الدولي في عمان.
أمين عام جامعة الدول العربية، حذر من خطر الترانسفير في وثيقة رسمية قدمها إلى وزراء "لجنة المبادرة العربية" خلال اجتماعها في بيروت. أشار فيها إلى خطة صهيونية لتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين واستقدام خمسة ملايين يهودي.
وإزاء خطر الترانسفير الداهم، (لأن مخططاته تتحرك بوتيرة سريعة) كان شعار عرب 1948 في يوم الأرض عام 2002 "التصدي للترانسفير والتمسك بالوطن بأي ثمن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق